معصية قابلها بنعمة وأنساه الاستغفار فيدنيه من العذاب قليلا قليلا ثم يصبه عليه صبا . قال إمام
الحرمين : إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على خطر ، فلا
تدري ماذا يكون وما سبق لك في الغيب ، ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات . وقال
علي كرم الله وجهه : كم من مستدرج بالإحسان وكم من مفتون بحسن القول فيه . وكم من مغرور
بالستر عليه ، وقيل لذي النون : ما أقصى ما يخدع به العبد ؟ قال : بالألطاف والكرامات
( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) * وفي الحكم : خف من وجود
إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجا . والاستدراج الأخذ بالتدريج لا مباغتة .
والمراد هنا تقريب الله العبد إلى العقوبة شيئا فشيئا ، واستدراجه تعالى للعبد أنه كلما جدد ذنبا جدد له
نعمة وأنساه الاستغفار فيزداد أشرا وبطرا فيندرج في المعاصي بسبب تواتر النعم عليه ظانا أن تواترها
تقريب من الله ، وإنما هو خذلان وتبعيد . ( حم طب حب عن عقبة ) بالقاف ( ابن عامر ) قال : ثم تلا
رسول الله صلى الله عليه وسلم : * ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا
أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) * زاد الطبراني : * ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد
لله رب العالمين ) * قال الهيتمي : رواه الطبراني عن شيخه الوليد ابن العباس المصري ، وهو ضعيف .
وقال العراقي إسناده حسن ، وتبعه المؤلف فرمز لحسنه .
630 - ( إذا رأيت من ) أي في ( أخيك ) في الدين ( ثلاث خصال ) أي فعل ثلاث خصال ( فارجه )
أي فأمل أن ينتفع برأيه ومشورته ، أو فارج له الفلاح والفوز بالنجاح لما لاح فيه من مخايل الخير
وأمارات الرشد التي من ثمرات هذه الخصال ، وهي : ( الحياء ، والأمانة ، والصدق ) فإنها أمهات
مكارم الأخلاق ، فإذا وجدت في عبد دل على صلاحه فيرتجى ويرجى له الفلاح . وقدم الحياء في الذكر
لأنه أصل ما بعده وأسه ، وعنه يتفرع ومنه ينشأ ( وإذا لم ترها ) مجتمعة فيه ( فلا ترجه ) لشئ مما ذكر ولا
يؤمل فلاحه ، لأنها إذا لم تجتمع في إنسان دل على قلة مبالاته بالعاقبة وجرأته على الله وعلى عباده .
والغرض : الإيذان بأنه من أهل الخذلان فإنه يخلى وشأنه . فإن وجد فيه بعضها وفقد بعضها فهو من
الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . فالمراد أن من اجتمعت فيه يرجى فلاحه رجاء يقرب من
القطع ، ومن فقدت منه كلها يرجى عدمه كذلك . ( عد فر عن ابن عباس ) قال العلائي : فيه عبد
الرحمن بن معين وثقه أبو زرعة وطعن فيه غيره ، وشيخه رشد بن كريب ضعيف .
631 - ( إذا رأيت كلما ) بالنصب على الظرفية ( طلبت شيئا من أمر الآخرة ) أي من الأمور
المتعلقة بها ( وابتغيته يسر ) بضم المثناة تحت وكسر السين مشددة بضبط المؤلف ( لك ) أي تهيأ وحصل
بسهولة ( وإذا أردت شيئا من أمور الدنيا ) أي من الأمور المتعلقة بها من نيل اللذات والتوسع في
فيض القدير شرح الجامع الصغير — صفحة 456
مساهمون: المناوي
ص٤٥٦