عليا على فراشه ( 1 ) ليموت بدلا عنه ، فمعنى ذلك أن المبدأ المقدس هو
الذي كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما ، وإذا كان لا بد للقضية الإلهية
من شخص تظهر به وآخر يموت في سبيلها ، فيلزم أن يبقى رجلها الأول
لتحيا به ، ويقدم رجلها الثاني نفسه قربانا لتحيا به أيضا .
وإن كان علي هو الذي أباحت له السماء خاصة النوم في المسجد
والدخول فيه جنبا ( 2 ) فمفهوم هذا الاختصاص أن في معانيه معنى المسجد
لأن المسجد رمز السماء الصامت في دنيا المادة وعلي هو الرمز الإلهي
الحي في دنيا الروح والعقيدة .
وإن كانت السماء قد امتدحت فتوة علي وأعلنت عن رضاها عليه إذ
قال المنادي : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ( 3 ) ، فإنها عنت بذلك
أن فتوة علي وحدها هي الرجولة الكاملة التي لا يرتفع إلى مداها إنسان
ولا ترقى إلى أفقها بطولة الأبطال وإخلاص المخلصين .
ومن مهزلة الأقدار أن هذه الفتوة التي قدسها الهاتف الإلهي كانت
عيبا في رأى مشايخ السقيفة ( 4 ) ونقصا في علي يؤاخذ عليه وينزل به عن
هامش
( 1 ) راجع تفسير الرازي 5 : 204 ، نشر دار الكتب العلمية - طهران ، سيرة ابن هشام 2 : 95 ،
مطبعة الحجازي / ط 10 ، تذكرة سبط ابن الجوزي : 34 .
( 2 ) راجع مسند الأمام أحمد بن حنبل 4 : 369 ، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد
2 : 451 ، وتذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي : 41 ، والصواعق المحرقة / ابن حجر : 123 ،
تاريخ الخلفاء / السيوطي : 172 قال : أخرجه البزار عن سعد . ( الشهيد )
( 3 ) راجع : تاريخ الطبري 2 : 65 ، دار الكتب العلمية - بيروت ( الشهيد ) . وابن هشام في
سيرته ، وابن أبي الحديد في شرح النهج . ( الشهيد )
( 4 ) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 45 ، وفيها : محاورة بين الخليفة الثاني
عمر وابن عباس ، قال الخليفة عمر : ( يا ابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم
استصغروه . . . قال ابن عباس : فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذه سورة براءة
من أبي بكر . . . ) . وفي ص 12 من شرح النهج : قول أبي عبيدة : ( يا أبا الحسن إنك حديث
السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك ) .