هذا الخطاب موجه إلى الحزب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته
الزهراء إلى مخاطبيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف
من الفتنة . وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطان واتخاذ التدابير
اللازمة لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص
الفرصة السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها .
وقد رأينا في الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق
وأبي عبيدة ( 1 ) رضى عنه الله مما تعززه الظواهر التاريخية .
ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من كلام الزهراء الذي
بينا اشعاره إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف العصيبة . فلا
ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه
أقرب إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين .
ومن حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت - إن لم
يكن زوجها هو المعلن الأول - عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة
واتهمتها بالتآمر السياسي ، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير ( 2 )
المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ومعاوية ( 3 ) بن أبي سفيان - كما عرفنا سابقا .
هامش
( 1 ) نعتذر إلى سيدنا أبي عبيدة عن ذكر اسمه مجردا عن اللقب ، وليس هذا ذنبي بل ذنب
الأجل الذي عجل بروحه قبل أن يصير الأمر إليه فيمنحه الناس لقبا من الألقاب ، وأما لقب
الأمين فالأرجح عندي أنه لم يحصل عليه من طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن طريق الناس ،
وإنما لقب به لمناسبات خاصة ليس من شأنها تقرير الأوسمة الرسمية . ( الشهيد )
( 2 ) إشارة إلى قول الإمام علي عليه السلام : ( احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد
لك غدا . . . ) . شرح النهج 6 : 11 . وراجع ص 12 ، قول أبي عبيدة للأمام .
( 3 ) راجع قول معاوية في رسالة جوابية إلى محمد بن أبي بكر - مروج الذهب 3 : 199 ،
وقعة صفين / نصر بن مزاحم : 119 - 120 .