إلى سرابيّته لا يبعث الإرادة الحيوانيّة فضلاً عن الإنسانيّة . والإرادة حينما تنطلق من الاعتبار إنّما تنطلق منه لأجل الحقائق المودعة في ذلك الاعتبار ، نظير وجوب مراعاة قوانين العبور والمرور .
وبعبارة أخرى : الإرادة لا تنطلق من الاعتبار بما هو هو ، وإنّما تنطلق من الاعتبار بما هو كاشف عن الحقائق . والاعتبار أكثر ما يتّصل ، يتّصل بقوّة العقل العملي . فأهميّة الاعتبار من جهة أنّه فعل من الأفعال قد يمارس من قبل النفس البشريّة وبتوسّط قوّة العقل العملي التي لديها ، ومن الحيثيّة الفلسفيّة يلجأ الفيلسوف في تحقيق هذه الظاهرة الموجودة لدى الفاعل الإرادي الانساني ; ومن ههنا تظهر الضرورة الملجئة للفيلسوف في البحث عن الاعتبار وأقسامه .
وهناك وجه آخر أو إلجاء آخر له للبحث عن الاعتبار ، هو أنّه كثير من الحقائق ربّما تختلط لدى النفس بين كونها قضايا إعتباريّة ، لا الاعتبار الفلسفي بالمعنى الأخصّ الذي له منشأ نفس أمري ، بل الذي بمعنى مطلق ما ليس له واقع يطابقه ومنشأ يؤخذ إذ كثيراً ممّا تختلط الحقائق بهذه الاُمور الإعتباريّة ، فمن ثمّ تميّزها أمر بالغ الأهميّة وكما نبّهت الفلسفة الإسلاميّة إلى اختلاط القضايا الذهنيّة الحقيقيّة مع الحقيقيّة الخارجيّة وكان مورداً لتشويش الكثير من الأبحاث في المعارف البشريّة ، كذلك اختلاط القضايا الإعتباريّة مع القضايا الحقيقيّة أصبح مورداً لتشويش الكثير من المسائل في المعارف البشريّة ، فلا بدّ من التمييز بين القضايا الإعتباريّة والحقيقيّة ، ثمّ بين الحقيقيّة الذهنيّة والحقيقيّة الخارجيّة .
وقد ركّزت في الفلسفة جهوداً كثيرة بتمييز القضايا الحقيقيّة الذهنيّة عن الخارجيّة ، والسبب في أهمّية ذلك هو أنّ القناة التي يستلم الإنسان منها معلوماته هي عبر قناة ذهنه في علومه الحصوليّة ، فإذا لم يبيّن ما هو من
اُصول استنباط العقائد في نظريّة الاعتبار ، محاضرات المحقّق الفقيه آية الله الشيخ محمّد السند — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد حسن الرضوي
ص٨٤