المبعوثين ، وإذعانهم بكونهم مرسلين من جانبه سبحانه ، وإنّ كلامهم وأقوالهم كلامه
وقوله سبحانه ، وهذا الإيمان والإذعان لا يحصل إلاّ بإذعان آخر وهو الإذعان
بمصونيتهم عن الخطاء في المراحل الثلاث في مجال تبليغ الرسالة ، وهي المصونية في
مقام أخذ الوحي ، والمصونية في مقام التحفّظ عليه ، والمصونية في مقام الإبلاغ
والتبيين ، ومثل هذا لا يحصل إلاّ بمصونية النبي عن الزلل والخطاء عمده وسهوه . قال
القاضي أبو الحسن عبد الجبار : إنّ النفوس لا تسكن إلى القبول - ممّن يخالف فعله
قوله - سكونها إلى من كان منزهاً عن ذلك ، فيجب أن لا يجوز في الأنبياء : إلاّ ما
نقوله من أنّهم منزهون عمّا يوجب العقاب والاستخفاف والخروج من ولاية الله تعالى
إلى عداوته .
يبين ذلك أنّهم لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي بالمنع والردع والتخفيف فلا
يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك ، لأنّ المتعالم أنّ المقدم على الشيء لا يقبل
منه منع الغير منه للنهي والزجر ، وانّ هذه الأحوال منه لا تؤثر . . . ولو إنّ
واعظاً انتصب يخوف من المعاصي من يشاهده مقدماً على مثلها لاستخف به وبوعظه . ( 1 )
وقال في موضع آخر : إنّ الواعظ والمذكّر وان غلب على ظننا من حاله انّه مقلع تائب
لما أظهره من أمارات التوبة والندامة حتى عرفنا من حاله الانهماك في الشرب والفجور
من قبل ، لم يؤثر وعظه عندنا كتأثير المستمر على النظافة والنزاهة في سائر أحواله .
( 2 ) وما ذكره أخيراً دليل وجوب العصمة حتى قبل البعثة .
وهذا البرهان لو قرر على الوجه الكامل لكفي برهاناً في جميع مراحل
هامش
1 . المغني : 15 / 303 .
2 . المصدر نفسه : 305 .