ظاهر بغداد وأقاموا هناك بضعة أيام مظهرين الرحيل ، ثم سألوا الصفح عنهم عندما
اجتمع بهم أحد الشيوخ الزاهدين . وقد وصف في كتاب ( الحوادث الجامعة ) ما جرى بما يلي :
" وفي شعبان حضر جماعة المماليك الظاهرية والمستنصرية ( 1 ) عند مشرف
الدين إقبال الشرابي للسلام على عادتهم وطلبوا الزيادة في معايشهم وبالغوا في
القول وألحوا في الطلب ، فرد عليهم وقال : ما نزيدكم بمجرد قولكم ، بل نزيد
منكم من نزيد إذا أظهر خدمة يستحق بها ، فنفروا على فورهم إلى ظاهر السور
وتحالفوا على الاتفاق والتعاضد ، فوقع التعيين على قبض جماعة من أشرارهم ،
فقبض منهم اثنان ، وامتنع الباقون وركبوا جميعا وقصدوا باب البدرية ومنعوا
الناس من العبور ، فخرج إليهم مقدم البدرية وقبح لهم هذا الفعل ، فلم يلتفتوا
إليه ، فنفذ إليهم سنجر الياغر فسألهم عن سبب ذلك فقالوا نريد أن يخرج أصحابنا
وتزاد معايشنا . فأنهى سنجر ذلك إلى الشرابعي ، فأعاد عليهم الجواب : إن
المحبوسين ما نخرجهما وهم مماليكنا نعمل بهم ما نريد ، ومعايشكم ما نزيدها
فمن رضي بذلك يقعد ، ومن لم يرض وأراد الخروج من البلد فنحن لا نمنعه .
وطال الخطاب في ذلك إلى آخر النهار ، ثم مضوا وخرجوا إلى ظاهر البلد ، فأقاموا
هناك مظهرين الرحيل ، فبقوا على ذلك أياما فاجتمع بهم الشيخ السبتي الزاهد
فعرفهم ما في ذلك من الإثم ومخالفة الشرع ، فاعتذروا وسألوه الشفاعة لهم ، وأن
يحضر لهم خاتم الأمان ليدخلوا البلد ، فحضر عند الشرابي وعرفه ذلك وسأله
إجابة سؤلهم ، فأخرج لهم خاتم الأمان مع الأمير شمس الدين قيران الظاهري
والشيخ السبتي ، فدخلوا والشيخ راكب حماره بين أيديهم ، وحضروا عند الشرابي
معتذرين فقبل عذرهم ، وكانت مدة إقامتهم بظاهر السور سبعة أيام " .
وبعد وفاة الشرابي ، كان أمير الجيش وكل ما يتعلق بشؤونه بيدي مقدم
هامش
( 1 ) كان الدواتدار الصغير مجاهد الدين إيبك نفسه من المماليك الشراكسة ، وهؤلاء
المماليك الظاهرية والمستنصرية كانت تتألف منهم جمهرة الجيش ، ويقول الذهبي في
( سير أعلام النبلاء ) عن الشرابي : جعل سنة ست وعشرين وستمائة مقدم جيوش
العراق ( ص 370 ، ج 23 ) . ويصف الدولتدار بأنه مقدم جيش العراق ، ص 371 .