ما تحكمه الإمارة الأغلبية بل كانت عاصمة إمارة بني مدرار وهم خوارج صفرية ( 1 )
وإمارتهم مستقلة سياسيا ومذهبيا عن العباسيين وعن أتباعهم الأغالبة في إفريقيا ،
وربما كان هذا هو السبب في اختيار المهدي لها .
لذلك لم يكن لزيادة الله حكم على ابن مدرار فيأمره بالقبض على الرجل
المشتبه بأنه عبد الله المهدي الذي هو في عقيدته ودعوته أعدى أعداء الخوار ج ،
وإنما نبهه إلى حاله ، وكان ذلك كافيا لإقدام ابن مدرار على سجنه .
وتوالت انتصارات أبي عبد الله ففتح مدينة ميلة ومدينة سطيف وغيرهما ،
فهال ذلك زيادة الله فراح يجمع العساكر ويبذل الأموال فتكون له جيش كبير ولى
قيادته أحد أقربائه المسمى إبراهيم بن خنيش ، وكان - على حد تعبير ابن الأثير -
لا يعرف الحرب ! .
وماذا تغني كثرة الجند إذا كانت القيادة جاهلة لا كفاءة لها ، لذلك فإن
هامش
( 1 ) الخوارج الصفرية هم أتباع ابن الصفار ، وهم فرقة من الخوارج تقابل : ( الأزارقة )
و ( الأباضية ) وغيرهما .
ينقل صاحب العقود الفضية الأباضي عن ابن الأثير والمبرد ، ذكر خروج الخوارج إلى
مكة لمنعها من أهل الشام وفيهم عبد الله بن أباض ، ثم افتراقهم بعد ذلك فيما بينهم
وأن نافع بن الأزرق الذي ينسب الخوارج الأزارقة إليه كتب إلى ابن الصفار وعبد الله
بن أباض الذي ينسب الخوارج الأباضية إليه ، يدعوهما ومن معهما إلى معتقده ، فقرأ
ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا . اه .
والخوارج بصورة عامة اتجهوا إلى شمال إفريقيا بعد الذي عانوه في المشرق خلال
ثوراتهم المتكررة ، وكان دخول مذهبهم إلى المغرب في النصف الأول من المئة الثانية
للهجرة ، وكان الذين حملوه إلى هناك من الصفرية والأباضية فتلقفه البربر وساد فيهم
لكثرة ما عانوه من جور الحكام الأمويين والعباسيين ، فوجدوا في هذا المذهب وسيلة
للخروج على الحكام والثورة بهم حتى لقد قيل إنه أصبح المذهب القومي لهم . وما
كاد القرن الثاني الهجري ينتصف حتى كان الأباضيون قد استطاعوا نشر مذهبهم في
أغلب المغرب الأدنى والمغرب الأوسط ، وصارت الأباضية منتشرة في معظم ليبيا
وجنوب تونس إلى شمال قفصة وأغلب المغرب الأوسط ( الجزائر ) من شرقي مدينة
مليانة إلى غرب وهران . وكان يقابلها الخوارج الصفرية الذين تمركزوا في مناطق
أخرى .