وهكذا قام حاكم إسماعيلي في شمال إفريقيا ، مثلما قام في اليمن ، والإمام
في حالة الاستتار يحكم باسمه وهو بعيد مستتر .
فلما وصل الأمر إلى هذا الحد ، وزالت دواعي الاستتار ، وصار للإمام من
يحميه ويذود عنه كان لا بد من ظهوره ، فأرسل أبو عبد الله رجالا من كتامة ليخبروا
الإمام عبد الله بما فتح الله عليه ويدعوه إلى إفريقيا لمباشرة السلطة بنفسه .
وكان قد شاع الخبر في الناس وذلك في عهد المكتفي العباسي ، فبثت
الأرصاد والعيون للقبض عليه ، ولكنه استطاع الوصول إلى مصر متخفيا مع ولده
نزار وهو يومئذ غلام - يصحبه جماعة من خاصته ومواليه ، وذلك أيام زيادة الله
وكان يسير متنكرا بزي التجار ، فدخل مصر بهذا الحال ، واكن خليفة بغداد قد
أرسل إلى والي مصر عيسى النوشري يأمره بمراقبة الداخلين إلى مصر ، مبينا له
صفات عبد الله وحليته طالبا منه القبض عليه وعلى كل من يشبهه .
وكان بعض حاشية عيسى متشيعا فأخبر عبد الله وأشار عليه بالإسراع بترك
مصر ، فخرج منها مع أصحابه ، ومع أموال كثيرة كان قد حملها معه من سلمية .
يقول ابن الأثير ( ج 8 ، ص 38 ، ط 1966 ) :
" فلما وصل الكتاب إلى النوشري فرق الرسل في طلب المهدي وخرج بنفسه
فلحقه ، فلما رآه لم يشك فيه ، وقال له : أعلمني بحقيقة حالك حتى أطلقت ،
فخوفه بالله تعالى وأنكر حاله ، ولم يزل يخوفه ويتلطفه فأطلقه وخلى سبيله وأراد
أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته ، فقال : لا حاجة بي إلى ذلك ودعا له .
وقيل إنه أعطاه في الباطن مالا حتى أطلقه ، فرجع بعض أصحاب النوشري
عليه باللوم ، فندم على إطلاقه ، وأراد إرسال الجيش وراءه ليردوه " .
وهنا يتدخل القدر بعجائبه فيحدث أمر تافه يبدل مجرى التاريخ ، فإن ابن
الأثير يتمم كلامه السابق قائلا :
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي — صفحة 247
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٤٧