إلى أن يقول الجندي :
خرج الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق متخفيا عن عيون أبي
جعفر المنصور من المدينة المنورة وذهب إلى الشرق متنقلا بين بلدة الري من
أرض فارس ونهاوند ودماوند ، ولكنه لم يطمئن لأن عيون الخليفة كانت تلاحقه
فاتجه إلى الغرب وإلى المدينة تدمر بالذات من سوريا ، وذلك عام 191 ه
فاستوطنها وتوفي بها وقبره يدعى الآن : قبر محمد بن علي ، وقد خلفه في الإمامة
ابنه عبد الله بن محمد ، فلم تعجبه تدمر واختار بلدة السلمية لأنها كانت بلدة
تجارية وفيها مياه عذبة وفيها غرباء كثيرون . في هذه البلدة كان الدعاء الإماميون
برئاسة الإمام ( الوفي أحمد ) بن عبد الله مار الذكر ، وقد سميت الدار التي كانت
تقام فيها الاجتماعات : دار الدعوة . وقد كنا ونحن أطفال ندخل بعض البيوت
القديمة في سلمية فننزل في أقبية عميقة فيها غرف ومياه وكل ما يلزم للسكنى ،
ويبدو أن هذه البيوت كانت مخابئ لهؤلاء الذين كانت الحكومة العباسية ناقمة
عليهم .
ومن المهم هنا أن نذكر أن ( إخوان الصفا ) الذين يتحدث عنهم المؤرخون
هذه الأيام ودارسو الفلسفة ، قد كانوا من دعاة الإمام . ويؤكد المحفوظ من
المخطوطات عند الطائفة الإسماعيلية أن أخوان الصفا هم دعاة مستورون للأئمة
وأنهم كانوا في سلمية ولهم فروع في أمصار أخرى ، وقد عملوا للأئمة
المستورين : وفي أحمد ، وتقي الدين ، ورضي الدين عبد الله الذي هو والد أبي
محمد المهدي الذي ذهب إلى إفريقيا وبني فيها بلدة المهدية وتفرعت عنه الدولة
الفاطمية .
ولقد تعرضت بلدة السلمية إلى كوارث كثيرة من أهمها : الزلازل التي
هدمتها مرارا ، وإلى غزوات البدو المحيطين بها ، وأهم من ذلك غزو القرامطة
الذين فتكوا بأهلها فخرجت وأصبحت مرتعا للبدو الذين طمعوا بالاستفادة من
أهلها ، فغادر الأهلون البلدة أو أكثرهم إلى جهات أخرى . وفي العهد العثماني كان
كل ما تبقى من سلمية سورها القديم الروماني وقلعتها التي أصبحت مركزا لرجال
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي — صفحة 236
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٣٦