في ستة عشر فصلا بعده
( 8 ) إشارة
التجربة والقياس متطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلا ما في حالة المنام فلا مانع من أن يقع مثل ذلك النيل في حال اليقظة إلا ما كان إلى زواله سبيل ولارتفاعه إمكان أما التجربة فالتسامع والتعارف يشهدان به وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق اللهم إلا أن يكون أحدهم فاسد المزاج نائم قوي التخيل والذكر وأما القياس فاستبصر فيه من تنبيهات
أقول يريد بيان المطلوب على وجه مقنع فذكر أن الإنسان قد يطلع على الغيب حالة النوم فاطلاعه عليه في غير تلك الحالة أيضا ليس ببعيد ولا منه مانع اللهم إلا مانعا يمكن أن يزول ويرتفع كالاشتغال بالمحسوسات أما اطلاعه على الغيب في النوم فيدل عليه التجرية والقياس والتجربة تثبت بأمرين أحدهما باعتبار حصول الاطلاع المذكور للغير وهو التسامع والثاني باعتبار حصوله للناظر نفسه وهو التعارف وإنما جعل المانع عن الاطلاع النومي فساد المزاج وقصور التخيل والتذكر لتعلق ما يراه النائم في نفسه بالمتخيلة وفي حفظه وذكره بالمتذكرة وفي كونه مطابقا للصور المتمثلة في المبادئ المفارقة إلى زوال الموانع المزاجية وأما القياس فعلى ما يجيء بيانه
( 9 ) تنبيه
قد علمت فيما سلف أن الجزئيات منقوشة في العالم العقلي نقشا على وجه كلي ثم قد نبهت لأن الأجرام السماوية لها نفوس ذوات إدراكات جزئية وإرادات جزئية تصدر عن رأي جزئي ولا مانع لها من تصور اللوازم الجزئية لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها في العالم العنصري ثم إن كان ما يلوحه ضرب من النظر مستورا إلا على الراسخين في الحكمة المتعالية أن لها بعد العقول المفارقة التي هي لها كالمبادئ نفوسا ناطقة غير منطبعة في موادها بل لها معها علاقة ما كما لنفوسنا مع أبداننا وأنها تنال بتلك العلاقة كمالا ما حقا صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك لتظاهر رأي جزئي وآخر كلي فيجتمع لك مما نبهنا عليه أن للجزئيات في العالم العقلي نقشا على هيئة كلية
الإشارات والتنبيهات — صفحة 399
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٩٩