هو السكون البدني من حركات البدن وذلك نعم المعين فالعارف أولى بانحفاظ قوته فليس ما يحكى لك من ذلك مضادا لمذهب الطبيعة
أقول السبب في كون العرفان مقتضيا للإمساك عن القوت هو توجه النفس بالكلية إلى العالم القدسي المستلزم لتشييع القوى الجسمانية إياها المستلزم لتركها أفاعيلها التي منها الهضم والشهوة والتغذية وما يتعلق بها وإنما قايس بين الإمساك العرفاني والإمساك المرضي ولم يقايس بينه وبين الإمساك الخوفي لأن الخوف والعرفان نفسانيان فالاعتراف بكون أحدهما مقتضيا للإمساك اعتراف بتجويز كون الأحوال النفسانية سببا له أما المرضي فمخالف لهما للسبب الذي ذكرناه وهو وجدان المادة التي تتصرف الغاذية فيها والشيخ بين أن العرفان باقتضاء الإمساك أولى من المرض لأن المرض في بعض الصور يختص بأمرين يقتضيان الاحتياج إلى الغذاء أحدهما راجع إلى مادة البدن وهو تحليل الرطوبات البدنية بسبب الحرارة الغريبة المسماة بسوء المزاج فإن الحاجة إلى الغذاء إنما تكون لسد بدل تلك الرطوبات وكلما كان التحليل أكثر كانت الحاجة أشد والثاني راجع إلى الصورة وهو قصور القوى البدنية بسبب حلول المرض المضاد لها بالبدن وإنما يحتاج إلى حفظ الرطوبات لحفظ تلك القوى التي لا توجد إلا مع تعادل الأركان وتغذي الحرارة الغريزية بها وكلما كانت القوى أفتر كانت الحاجة إلى ما يحفظها أشد والعرفان يختص بأمر يقتضي أيضا عدم الاحتياج إلى الغذاء وهو السكون البدني الذي يقتضيه ترك القوى البدنية أفاعيلها عند مشايعتها للنفس فإذن العرفان باقتضاء الإمساك أولى من المرض وقد ظهر عند ذلك جواز اختصاص العارف بالإمساك عن الغذاء مدة لا يعيش غيره بغير غذاء تلك المدة
( 5 ) إشارة
إذا بلغك أن عارفا أطاق بقوته فعلا أو تحريكا أو حركة يخرج عن وسع مثله فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار فلقد تجد إلى سببه سبيلا في اعتبارك مذاهب الطبيعة
أقول هذه خاصية أخرى للعارف قد ادعى إمكانها في هذا الفصل وسيجئ بيانها في فصل بعده
الإشارات والتنبيهات — صفحة 397
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٩٧