فإنه لا يحتاج إلى الإعراض عن أشياء كثيرة وإليه أشار من قال من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدا
( 9 ) إشارة
ثم إنه إذا بلغت به الإرادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه وهو المسمى عندهم أوقاتا وكل وقت يكتنفه وجدان وجد إليه ووجد عليه ثم إنه ليكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض
أقول عن الشيء اعترض وخلس واختلس استلب وومض البرق وميضا وأومض أي لمع لمعانا خفيفا غير معترض في نواحي الغيم والشيخ أشار في هذا الفصل إلى أول درجات الوجدان والاتصال وهو إنما يحصل بعد حصول شيء من الاستعداد المكتسب بالإرادة والرياضة ويتزايد بتزايد الاستعداد وقد لاحظوا في تسميته بالوقت
قول النبي ص : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل والوجدان اللذان يكتنفان الوقت لا يتساويان لأن الأول حزن على استبطاء الوجدان والآخر أسف على فواته
( 10 ) إشارة
ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جناب القدس يتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شيء
أوغل أي سار سريعا وأمعن فيه وتوغل في الأرض أي سار فيها فأبعد منه ويوجد في بعض النسخ بالوجهين أعني ليوغل وليتوغل ولمحه أي أبصره بنظر خفيف وعاج عنه أي رجع وانثنى عنه وعاج به أي قام به والمعنى أن الاتصال بجناب القدس إذا صار ملكة فهو قد يحصل في غير حالة الارتياض الذي كان معدا لحصوله من قبل
( 11 ) إشارة
ولعله إلى هذا الحد يستعلي عليه غواشيه ويزول هو عن سكينته فيتنبه جليسه
الإشارات والتنبيهات — صفحة 384
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٨٤