( 8 ) إشارة
ثم إنه ليحتاج إلى الرياضة والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض الأول تنحية ما دون الحق عن مستن الإيثار والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لينجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي والثالث تلطيف السر للتنبه والأول يعين عليه الزهد الحقيقي والثاني يعين عليه عدة أشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن به من الكلام موقع القبول من الأوهام ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكي بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد وأما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي يأمر فيه شمائل المعشوق ليس سلطان الشهوة
أقول مستن الإيثار طريقته والمشفوعة المقرونة وكلام رخيم أي رقيق يقال رخم صوته أي لينه والشمال بالكسر الخلق وجمعه شمائل والمقصود من هذا الفصل ذكر احتياج المريد إلى الرياضة وبيان أغراض الرياضة وأنا أذكر قبل الخوض في التفسير ماهية الرياضة فأقول رياضة البهائم منعها عن إقدامها على حركات لا يرتضيها الرائض وإجبارها على ما يرتضيه لتتمرن على طاعته والقوة الحيوانية التي هي مبدأ الإدراكات والأفاعيل الحيوانية في الإنسان إذا لم يكن لها طاعة القوة العاقلة ملكة كانت بمنزلة بهيمة غير مرتاضة تدعوها شهوتها تارة وغضبها تارة اللذان تشيرهما المتخيلة والمتوهمة بسبب ما تتذكرانه تارة وبسبب ما يتأدى إليهما من الحواس الظاهرة تارة إلى ملائمها فتتحرك حركات مختلفة حيوانية بحسب تلك الدواعي وتستخدم القوة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي أمارة تصدر عنها أفعال مختلفة المبادئ والعقلية مؤتمرة عن كره مضطربة أما إذا راضتها القوة العاقلة بمنعها عن التخيلات والتوهمات والإحساسات والأفاعيل المشيرة للشهوة والغضب وإجبارها على ما يقتضيه التعقل العملي إلى أن تصير متمرنة على طاعته متأدبة في خدمته تأتمر بأمرها وتنتهي بنهيها كانت العقلية مطمئنة ولا يصدر عنها أفعال مختلفة بحسب المبادئ وباقي القوى بأسرها مؤتمرة متسالمة لها وبين الحالتين حالات مختلفة بحسب استيلاء إحداهما
الإشارات والتنبيهات — صفحة 380
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٨٠