وكذلك القول في الأخلاق التي هي مباديها وكذلك الآلام فإنها ليست بشرور من حيث هي إدراكات لأمور ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها أو صدورها عن عللها إنما هي شرور بالقياس إلى المتألم الفاقد لاتصال عضو من شأنه أن يتصل فإذن قد حصل من ذلك أن الشر في ماهيته عدم وجود أو عدم كمال لموجود من حيث إن ذلك العدم غير لائق به أو غير مؤثر عنده وأن الموجودات ليست من حيث هي موجودات بشرور إنما هي شرور بالقياس إلى الأشياء العادمة كمالاتها لا لذواتها بل لكونها مؤدية إلى تلك الأعدام فالشرور أمور إضافية مقيسة إلى أفراد أشخاص معينة وأما في نفسها وبالقياس إلى الكل فلا شر أصلا ونعود بعد تقرير هذا المعنى إلى الشرح فنقول الأشياء بحسب اعتبار وجود الشر وعدمه تنقسم إلى ما لا شر فيه أصلا وإلى ما فيه ما هو شر وما ليس بشر وإلى ما ليس فيه ما ليس بشر أصلا والقسم الثاني ينقسم إلى ما يغلب فيه ما ليس بشر على ما هو شر وإلى ما يتساويان فيه وإلى ما يغلب فيه ما هو شر وهذه خمسة أقسام الأول ما لا شر فيه أصلا وهو موجود فإن الموجودات التي لا تشتمل على أمر بالقوة كالعقول لا شر فيها أصلا والثاني ما يغلب فيه ما ليس بشر على ما هو شر وهو أيضا موجود فإن الموجودات التي لا يمكن أن تكون على كمالاتها اللائقة بها إلا وتكون بحيث يعرض منها عند ملاقاتها لما يخالفها منع ذلك المخالف عن كماله كالنار فإنها لا يمكن أن تكون بالغة في الحرارة إلا وتكون بحيث يعرض منها تفريق أجزاء بعض المركبات بالإحراق يكون لا محالة من هذا الصنف وظاهر أن مثل هذه الموجودات يكون من شأنها الإحالة والاستحالة والكون والفساد وهي قليلة بالقياس إلى الكل ووقوع التقاوم المقتضي لصيرورة البعض
الإشارات والتنبيهات — صفحة 321
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٢١