تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات والتنبيهات — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وقد حاذى في ذلك كلام الشيخ الفاضل أبي نصر الفارابي فإنه قال في مختصر له يعرف بعيون المسائل بهذه العبارة والجسم الشديد الحرارة بطبعه هو النار والشديد البرودة بطبعه هو الماء والجاري هو الهواء والشديد الانعقاد هو الأرض فنقول في تقريره قد ظهر مما مر أن كل واحد من هذه الأجسام لا يخلو عن كيفيتين إحداهما فعلية والأخرى انفعالية وبيان الحصر بانتساب الكيفيات الأربع إليها بحسب الازدواجات الممكنة مشهور لكن لما كان إثبات بعض تلك الكيفيات لبعض هذه الأجسام صعبا كالحرارة للهواء واليبوسة للنار على ما صرح به الشيخ في الشفاء وكان المؤثر عنده في هذا الموضع بناء الكلام على المشاهدة والأحكام التي لا تدفع إلا على التعمق في البحث اقتصر على الاستدلال بما لا شبهة فيه من هذه الكيفيات وإذا وجد الفعليتين في الجسمين اللذين هما أشد تعاديا من الجميع أعني النار والماء أظهر والانفعاليتين في الباقيتين أظهر ميز بينها بإسناد كل واحدة من هذه إليها وبدأ بالنار فنبه بقوله البالغ في الحرارة على كون الحرارة كيفية تشتد وتضعف لا صورة تقوم بجوهرها الذي لا يختلف وأشار بقوله بطبعه إلى مصدر تلك الحرارة أعني الصورة النوعية وأورد القضية في صيغة تدل على مساواة طرفيها ليعلم أن هذا القول مميز للنار عما سواها ومعرف لماهيتها وكذلك في الثلاثة الأخرى وإنما عبر عن الرطوبة واليبوسة بالميعان والجمود لوقوع التنازع في مفهوم الأوليين دون الأخريين مع أن المراد عنده واحد قال الفاضل الشارح وإنما قال بطبعه في النار والماء لا في الهواء والأرض لأن من الناس من ذهب إلى أن صورة النار والماء هي الحرارة والبرودة ولم يذهب ذاهب إلى أن صورة الهواء والأرض هي الرطوبة واليبوسة فأزال ذلك الاشتباه به ولم يحتج إليه هاهنا قال وإنما اختار هذا الترتيب لأنه أراد تقديم الكيفيتين الفعليتين على الانفعاليتين وتقديم الأشرف من كل جنس على الأخص أولى قال وهذه الأحكام ليست مما لا اختلاف فيه فإن بعض المتقدمين ذهبوا إلى أن النار البسيطة في حيزها لا تكون في غاية الحرارة ورد عليهم الشيخ بأن وجود القوة