تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣

توضيح ذلك : إذا نظرنا إلى خصوصيّات شريعة الإسلام ، بل جميع الشرائع الإلهيّة ، وجدنا أنّ المقصود الوحيد فيها ، هو صرف وجه الإنسان إلى ما وراء هذه النشأة الطبيعيّة ، وهذه سبيلها تدعو إلى الله على بصيرة ، فهي في جميع جهاتها تروم إلى تحقيق هذه الغاية ، وتطوف حول هذا المطاف بأيّ طريق أمكن . والناس من حيث تطبيق هذا الهدف ، وهو الانقطاع إلى الله سبحانه والإعراض عن هذه النشأة المادّية ، على ثلاث طبقات : الأولى : طبقة المقرّبين . وهي الطبقة التي يمكنها الانقطاع قلباً عن هذه النشأة ، مع تمام الإتيان باللازم من المعارف الإلهيّة ، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه ، والإشراف على الأنوار الإلهيّة ، كالأنبياء عليهم السلام . الثانية : طبقة الأبرار . وهي الطبقة التي وصلت إلى مقام الإيقان ، لكن لم يتمّ لها الانقطاع من جهة ورود هيئات نفسانيّة ، وإذعانات قاصرة ، تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ما وراء هذه النشأة وهو فيها . وهذه الطبقة تعبد الله كأنّها تراه ، فهي تعبد عن صدق من غير لعب ، لكن من وراء حجاب ، إيماناً بالغيب ، وهم المحسنون في عملهم ، وقد سُئل رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الإحسان فقال : « أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » ( 1 ) . والفرق بين هذه الطبقة وسابقتها ، فرق ما بين « إنّ » و « كأنّ » .

هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة ، للمعتزلي ، مصدر سابق : ج 11 ، بيان أحوال العارفين ، ص 204 .