ونرى هنا أنّه من المفيد أن نذكر بعض ما ورد من أقوال عند العرفاء عن المعرفة العرفانيّة ، ومنها ما ذكره داود بن محمّد القيصري حيث قال : « وهذا العلم وإن كان كشفيّاً ذوقيّاً لا يحظى منه إلاّ صاحب الوجد والوجود وأهل العيان والشهود ، لكن لمّا رأيت أنّ أهل العلم الظاهر يظنّون أنّ هذا العلم ليس له أصل يبتني عليه ولا حاصل توقّف لديه ، بل تخيّلات شعريّة وطامات ذكريّة لا برهان لأهله عليه ، ومجرّد دعوى المكاشفة لا يوجب الاهتداء إليها بيّنت موضوع هذا الفنّ ومسائله ومباديه ، وما ذكرت من البرهان والدليل إنّما أتيت به إلزاماً لهم بطريقتهم وإفحاماً لهم بشريعتهم فإنّ كشف أهل الشهود ليس حجّةً عليهم ، وظاهر الآيات والأخبار المبيّنة لما يقوله أهل الكشف مؤوّل لديهم ، فوجب أن نقول معهم بلسانهم كما قال تعالى : * ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) * ( 1 ) ، * ( وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) * ( 2 ) . ( 3 ) وعن كيفيّة المعرفة بحقيقة الأشياء يقول القيصري في مقدّمة « فصوص الحكم » : « تظهر تلك الماهيّات ولوازمها تارةً في الذهن ، وأخرى في الخارج ، فيقوى ذلك الظهور ويضعف بحسب القُرب من الحقّ والبُعد عنه وقلّة الوسائط وكثرتها وصفاء الاستعداد وكدره . فيظهر للبعض
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 195
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٩٥
هامش
( 1 ) إبراهيم : 4 .
( 2 ) القصص : 28 .
( 3 ) القيصري ، داود ، رسالة التوحيد والنبوّة والولاية : ص 7 .