ولو نظرنا إلى هذه الموجودات منعزلة عن ذلك الوجود - أي الحقّ سبحانه وتعالى - فلا نراها إلاّ العدم المحض ، أمّا إذا نظرنا إليها بما هي آيات لوجوده سبحانه وتعالى فهي لها نحو من الوجود . وتأييداً لما نقوله نذكر بعض ما ورد في كلمات صدر المتألّهين حول هذا المطلب ، وقبل ذلك نشير إلى أنّ هذا الفيلسوف المؤسّس لمدرسة الحكمة المتعالية مرَّ في حياته بمراحل ثلاثة : المرحلة الأولى مرحلة القول بأصالة الماهيّة ، المرحلة الثانية مرحلة القول بأصالة الوجود ( 1 ) ، والمرحلة الثالثة التي وصل إليها صدر المتألّهين بحسب سيره العلمي ذهبت به إلى القول بالوحدة الشخصيّة للوجود ( 2 ) . ومع أنّ صدر المتألّهين يعتبر من كبار الفلاسفة بل من الطبقة الأولى من فلاسفة الإسلام ولكنّه أيضاً عارف من عرفاء المدرسة الإماميّة ، وأقواله كما هي حجّة على أهل الفلسفة كذلك تعتبر حجّة في المدرسة العرفانيّة ؛ يقول صدر المتألّهين في كتابه ( الأسفار ) في إثبات التكثّر في الحقائق الإمكانيّة : « إنّ أكثر الناظرين في كلمات العرفاء الإلهيّين حيث لم يصلوا إلى مقامهم ولم يحيطوا بكنه مرامهم ظنّوا أنّه يلزم من كلامهم في إثبات التوحيد الخاصّي في حقيقة الوجود والموجود بما هو موجود وحدة شخصيّة أنّ هويّات الممكنات أمور اعتبارية محضة وحقائقها أوهام وخيالات لا تحصّل لها إلاّ بحسب الاعتبار . . . » ( 3 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 174
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٧٤
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 49 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 2 ص 292 .
( 3 ) المصدر نفسه : ج 2 ، ص 318 - 319 .