ولكن هذه الرؤية يستند العارف في تأسيسها على المكاشفة والشهود ، ومن هنا فإنّ العرفان النظري هو علم له موضوع ومبادئ ومسائل ، كأيّ لون من ألوان المعرفة الأخرى . والكلام في هذا القسم من العرفان يقع في مقامين : المقام الأوّل : في الطريق الموصل لمعرفة حقائق الوجود على ما هي عليه وخصوصاً المعارف المرتبطة بالتوحيد ، فالمشرب العرفاني يعتقد أنّه لا طريق لتلك المعرفة إلاّ من خلال تصفية القلب وتزكيته بواسطة الرياضات المعنويّة التي أقرّها الشارع المقدّس . يقول السيّد حيدر الآملي : « اعلم أنّ العلوم كلّها تنقسم إلى قسمين : رسميّ اكتسابيّ ، وإرثيّ إلهيّ ، فالعلم الرسمي الاكتسابي يكون بالتعليم الإنساني على التدريج ، مع نصَب قويّ وتعب شديد في مدّة طويلة ، والعلم الإرثي الإلهي يكون تحصيله بالتعليم الربّاني بالتدريج وغير التدريج مع رَوح وراحة - في مدّة يسيرة - وكلّ واحد منهما يحصل بدون الآخر ، ولكنّ الثاني - أي العلم الإرثي - يفيد بدون الأوّل ، والعلم الأوّل لا يفيد بدون العلم الثاني ، كعلوم الأنبياء والأولياء ، فإنّها تفيد بدون العلم الظاهر ، بخلاف العلم الظاهر فإنّه لا يفيد بدونه . وإليهما أشار النبيّ صلّى الله عليه وآله بقوله : « العلم علمان ; علم اللسان فذلك حجّة الله على ابن آدم ، وعلم في القلب ، وذلك هو العلم النافع » ( 1 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 17
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص١٧
هامش
( 1 ) المجلسي ، محمّد باقر ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1403 ه - : ج 2 ، ص 33 ، باب 1 ، ح 26 .