مدرسة الحكمة المتعالية
ننتهي أخيراً إلى مدرسة الحكمة المتعالية التي وضع أُسسها صدر الدِّين الشيرازي المعروف في الأوساط العلميّة والفلسفيّة ب « صدر المتألّهين » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) صدر المتألّهين الشيرازي المشهور بالملاّ صدرا ، المتوفّى عام ( 1050 ه - ) والذي أسّس مدرسة الحكمة المتعالية ، ويذكر أنّ كلمة « الحكمة المتعالية » استخدمت من قبل ابن سينا أيضاً في كتابه « الإشارات » . غير أنّ مدرسة ابن سينا لم تُعرف قطّ باسم الحكمة المتعالية ، وأنّ صدر المتألّهين هو الذي سمّى فلسفته بالحكمة المتعالية فتميّزت بذلك .
ومدرسة صدر المتألّهين الفلسفيّة تشبه المدرسة الإشراقيّة من حيث الأسلوب ، بمعنى أنّه يعتقد بالاستدلال والكشف والشهود معاً ; لكنّها تختلف عنها من الناحية الأصوليّة ومن حيث الاستنتاجات ، وفضلاً عمّا حققته مدرسة صدر المتألّهين من المسائل الخلافيّة بين المدرسة المشائية والإشراقيّة ، فإنّ المسائل الخلافيّة بين الفلسفة والعرفان ، أو الفلسفة وعلم الكلام قد حُلّت عند صدر المتألّهين تماماً .
وتجدر الإشارة إلى أنّ فلسفة صدر المتألّهين ليست فلسفة التقاطيّة ، وإنّما تمثِّل نظاماً فلسفيّاً خاصّاً ، وإن كانت الاتّجاهات الفكرية الإسلاميّة قد أثّرت فيها .
تمكّن صدر المتألّهين من استيعاب ما وصل من الفلسفة عن قدماء اليونان خصوصاً ما أُثِرَ عن أفلاطون وأرسطو ، وكذلك استيعاب ما تركه حكماء المسلمين أمثال الفارابي وابن سينا وشيخ الإشراق ، وما أضافوه على الفلسفة مستعيناً على ذلك بعرفانه الكبير وقوّته وهدايته الباطنيّة . ثمّ لجأ إلى وضع أُسس جديدة للفلسفة تستند إلى أصول وقواعد محكمة وثابتة من حيث الاستدلال والبرهان . وقد تمكّن من نظم مسائل الفلسفة بأسلوب رياضيّ يعتمد فيه كلّ موضوع على الآخر ويستنبط منه ، وبذا أخرج الفلسفة من طرق الاستدلال المتناثرة .