قوله تعالى ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون ) الآية ، قال فيه ( بين أنهم على عكس
الصواب حيث قال : تؤذونني عالمين الخ ) قال أحمد : أهل العربية تقول : إن قد تصحب الماضي لتقريبه من الحال ،
ومنه قول المؤذن قد قامت الصلاة ، وتشتمل المصاحبة للماضي أيضا على معنى التوقع فلذلك قال سيبويه : قد فعل
جواب لما يفعل ، وقال الخليل : هذا الخبر لقوم ينتظرونه ، وأما مع المضارع فإنها تفيد التقليل مثل ربما كقولهم :
إن الكذوب قد يصدق ، فإذا كان معناها مع المضارع التقليل وقد دخلت في الآية على مضارع ، فالوجه والله
أعلم أن يكون هذا من الكلام الذي يقصدون به الإفراط فيما ينعكس عنه ، وتكون قد في هذا المعنى نظيره ربما
في قوله - ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين - فإنها في هذا الموضع أبلغ من كم في التكثير ، فلما أوردت
ربما في التكثير على عكس معناها الأصلي في التقليل فكذلك إيراد قد ههنا لتكثير علمهم : أي تحقيق تأكيده على
عكس معناها الأصلي في تقليل الأصل ، وعليه * قد أترك القرن مصفرا أنامله * وإنما مدح نفسه بكثرة هذا
الفعل منه عكس ديدنه الأصلي . ولا يقال : إن حملها في الآية على التكثير متعذر لأن العلم معلوم التعلق لا يتكثر
ولا يتقلل . لأنا قول : يعبر عن تمكن الفعل وتحققه وتأكده وبلوغه الغاية في نوعه بما يعبر به عن التكثير وهو
تعبير صحيح ، ألا ترى أن قوله - ربما يود الذين كفروا - هو من هذا القبيل فإن المراد شدة ودهم لذلك وبلوغه
أقصى منتهاه لا غير ، والله الموفق .
قال الزمخشري ( وإنما قال : يا بني إسرائيل ولم يقل يا قوم لأنه لم يكن له صلوات الله على نبينا وعليه نسب
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 98
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٩٨