قوله تعالى ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ) قال فيه ( معناه أن كل واحد منهما
لا يدخل على الاخر في سلطانه فيطمس نوره ، بل هما متعاقبان بمقتضى تدبيره تعالى . قال : فإن قلت : لم جعلت
الشمس غير مدركة والقمر غير سابق ؟ قلت : لان الشمس بطيئة السير تقطع فلكها في سنة والقمر يقطع فلكه
في شهر ، فكانت الشمس لبطئها جديرة بأن توصف الادراك والقمر لسرعته جديرا بأن يوصف بالسبق . انتهى
كلامه ) قلت : يؤخذ من هذه الآية أن النهار تابع لليل وهو المذهب المعروف للفقهاء ، وبيانه من الآية أنه جعل
الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل . وإنما نفى الادراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع وذلك
يستدعى تقدم القمر وتبعية الشمس ، فإنه لا يقال أدرك السابق اللاحق ، ولكن أدرك اللاحق السابق ، وبحسب
الامكان توقيع النفي ، فالليل إذا متبوع والنهار تابع . فإن قيل : هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار وقد
صرحت الآية بأنه ليس سابقا ؟ فالجواب أن هذا مشترك الالزام ، وبيانه أن الأقسام المحتملة ثلاثة : إما تبعية النهار
لليل وهو مذهب الفقهاء ، أو عكسه وهو المنقول عن طائفة من النحاة ، أو اجتماعهما . فهذا القسم الثالث منفي
باتفاق فلم يبق إلا تبعية النهار لليل وعكسه ، وهذا السؤال وارد عليهما جميعا لان من قال : إن النهار سابق الليل لزمه
أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال : ولا الليل يدرك النهار ، فإن المتأخر إذا نفى إدراكه كان أبلغ من نفي سابقه مع
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 323
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٣٢٣