قوله تعالى ( أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) قال ( ذكر الله الإنسان النشأة الأولى ليعترف
بالأخرى الخ ) قال أحمد : مذهب أهل السنة أن إعادة المعدوم جائزة عقلا ثم واقعة نقلا ، والمعتزلة وإن وافقت
على ذلك إلا أنها تزعم أن المعدوم له ذات ثابتة في العدم يقضى عليها بأنها شئ ، فليس عندهم عدم صرف ونفى
محض قبل الوجود ولا بعده ، فكأنهم لولا ذلك لقالوا بقول الفلاسفة الذين هم مختصرهم ، ولأنكروا إعادة المعدوم
كما أنكره القدماء ، وعقيدة أهل السنة هي المطابقة للآية ، لأنه النشأة الأولى لم يتقدمها وجود ، ولأن المنشأ ابتداء
لم يكن شيئا قبل ذلك ، وأما النشأة الثانية فقد تقدمها وجود ، وكان منشأ قبلها شيئا في زمان وجوده ثم عدم
وبطلت شيئيته فظهر فرق ما بين النشأتين كما نطق به القرآن . وأما المعتزلة فإن قالوا : إن الأجسام يعدمها الله ثم
يوجدها فقد قالوا الحق ، لكن لا يتم على أصلهم فرق بين النشأتين لأن المعدوم فيهما كان شيئا قبل النشأة ، فإن
قالوا : لا تنعدم بالأجسام وإنما تتفرق ثم تجمع كما صرح به الزمخشري ( 1 ) لأنه تفطن لأن القول بأن الأجسام تنعدم
ثم يوجدها الله تعالى مع القول بأن المعدوم شئ يبطل الفرق بين النشأتين ولم يطلق ذلك ، وقد نطق به القرآن ،
فالتزم أن الأجسام لا تنعدم ليتم له الفرق بين النشأة الثانية ، وإنما هي على هذا التقرير جمع وتأليف لموجود ، وبين
النشأة الأولى التي هي إيجاد معدوم ، فتنبه لبعد غوره ، ولكن هرب من القطر فوقع تحت الميزاب ، فهو والحالة
هامش
( 1 ) ( قوله كما صرح الزمخشري الخ ) . كذا بالأصل وليس فيه جواب الشرط في قوله فإن قالوا لا تنعدم الخ ، وليحرر فهما وكشفا
اه مصححه .