بصورة حسية تلزمها غالبا ، ولا شئ أثبت من الصور الحسية في الذهن ، فلما كان الجود والبخل معنويين لا يدركان
بالحس ويلازمهما صورتان تدركان بالحس وهو بسط اليد للجود وقبضها للبخل عبر عنهما بلازمهما لفائدة
الايضاح والانتقال من المعنويات إلى المحسوسات والله أعلم . عاد كلامه : قال ( فإن قلت : قد صح أن قولهم :
يد الله مغلولة عبارة عن البخل الخ ) . قال أحمد : لقد نقص فضيلته التي أوردها في هذا الفصل بما ضمنه هذا
السؤال . والجواب من القاعدة الفاسدة في أن الله تعالى يستحيل عليه أن يريد من عباده شيئا مما نعاه عليهم ، وبنى
على ذلك استحالة أن يدعو عليهم بالبخل لأنه لم يرده منهم ، ويستحيل أن يريده منهم ، فوجه هذا النص بالتأويل
والتمسك بالأباطيل ، والحق أن الله يدعو عليهم بالبخل ، وعاؤه عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في
أيديهم ، فهو الداعي والخالق لا خالق إلا هو يخلق لهم البخل ويتقدس عنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، فليت
الزمخشري لم يتحدث في تفسير القرآن إلا من حيث علم البيان ، فإنه فيه أفرس الفرسان لا يجارى في ميدانه ولا
يمارى في بيانه . عاد كلامه ، قال ( فإن قلت : لم ثنيت اليد في يداه مبسوطتان وهي مفردة في يد الله الخ ) قال
أحمد : ولما كان المعهود في العطاء أن يكون بإحدى اليدين وهي اليمين ، وكان الغالب على اليهود لعنت اعتقاد
الجسمية جاءت عبارتهم عن اليد الواحدة المألوف منها العطاء ، فبين الله تعالى كذبهم في الامرين في نسبة البخل
وفي إضافته إلى الواحدة تنزيلا منهم على اعتقاد الجسمية بأن نسب إلى ذاته صفة الكرم المعبر عنها بالبسط ، وبأن
أضافه إلى اليدين جميعا لان كلتا يديه يمين كما ورد في الحديث تنبيها على نفي الجسمية ، إذ لو كانت ثابتة جل الله
عنها لكانت إحدى اليدين يمينا والأخرى شمالا ضرورة ، فلما أثبت أن كلتيهما يمين نفي الجسمية وأضاف الكرم
إليهما لا كما يضاف في الشاهد إلى اليد اليمنى خاصة ، إذ الأخرى شمال وليست محلا للتكرم ، والله أعلم .
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 628
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٦٢٨