الذي ذهب إليه بوجه ، ونحن نبين السبب الباعث له على إخراج الكلام عن ظاهره ثم نقرر وجها يطابق الآية ،
وذلك أن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يعطف عليه الشرط المقترنة به ضرورة ، والعادة في مثل
ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى ، مثاله قولك : أكرم زيدا ولو أساء ، فهذه الواو
عطفت المذكور على محذوف تقديره : أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء ، إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء ،
على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى ، ومنه - كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم - معناه والله أعلم
لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم ، ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على ما هو أسهل وأولى
بالوجوب ، فإذا تبين مقتضى الواو في مثل هذه المواضع وجدت آية آل عمران هذه مخالفة لهذا النمط ظاهرا ، لأن
قوله " لو افتدى به " يقتضي شرطا آخر محذوفا يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى ، وهذه الحال المذكورة
وهي حالة افتدائهم بملء ء الأرض ذهبا هي حالة أجدر الحالات بقبول الفدية وليس وراءها حالة أخرى تكون
أولى بالقبول منها ، فذلك قدر الكلام بمعنى لن يقبل من أحد منهم فدية ولو افتدى بملء ء الأرض ذهبا حتى تبين
حالة أخرى يكون الافتداء الخاص بملء ء الأرض ذهبا أولى بالقبول منها ، فإذا انتفى حيث كان أولى فلأن
ينتفي فيما عدا هذه الحالة أولى ، فهذا كله بيان للباعث له على التقدير المذكور . وأما تنزيل الآية عليه فعسر جدا ،
فالأولى ذكر وجه يمكن تطبيق الآية عليه على أسهل وجه وأقرب مأخذ إن شاء الله فنقول : قبول الفدية التي هي
ملء الأرض ذهبا يكون على أحوال : منها أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية عن نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من مال
القاتل على قول . ومنها أن يقول المفتدي في التقدير : أفدي نفسي بكذا وقد لا يفعل . ومنها أن يقول هذا القول
وينجز المقدار الذي يفدي به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا ، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن منه قبول فديته . وإذا تعددت
الأحوال فالمراد في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول وهو أن يفتدي بملء ء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر
على هذا الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا ومع ذلك لا يقبل منه ، فمجرد قوله أبذل المال وأقدر عليه أو ما يجري
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 444
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٤٤٤