قال المبرّد : كان الجرميّ أثبت القوم في كتاب سيبويه ، وعليه قرأت الجماعة ، وكان عالما باللغة ، حافظا لها ، وله كتب انفرد بها ، وكان جليلا في الحديث والأخبار ، وله كتاب في السيرة عجيب . قال ابن قادم : قدم أبو عمر الجرميّ على الحسن بن سهل ، فقال لي الفرّاء : بلغني أن أبا عمر الجرميّ قدم ، وأنا أحبّ أن ألقاه . فقلت له : فإني أجمع بينكما . فأتيت أبا عمر فأخبرته ، فأجاب إلى ذلك ، وجمعت بينهما ، فلما نظرت إلى الجرميّ قد غلب الفرّاء وأفحمه ، ندمت على ذلك . قال ثعلب : قلت له : ولم ندمت ؟ فقال : لأن علمي علم الفرّاء ، فلما رأيته مقهورا قل في عيني ، ونقص علمه عندي . مات الجرميّ في سنة خمس وعشرين ومائتين . وكان أبو عمر فقيها في الدين . وله في النحو كتاب جيد يعرف بالفرخ ، معناه فرخ كتاب سيبويه . وكان أغوص على الاستخراج من المازنيّ . وكان المازنيّ أخذ منه . وإليه وإلى المازنيّ انتهى علم النحو في زمانهما . واجتمع الأصمعيّ والجرميّ ، فقال الأصمعيّ : يا أبا عمر ، كيف تنشد قول الشاعر ( 1 ) :
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 81
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٨١
قد كنّ يخبأن الوجوه تسترا * فاليوم حين بدين ( 2 ) للنظَّار ( 3 )
هامش
( 1 ) هو الربيع بن زياد العبسيّ . من أبيات يرثى بها مالك بن زهير العبسيّ . وأوّلها :
إني أرقت فلم أغمض حار * من سيئ النبأ الجلبا الساري
والأبيات في ديوان الحماسة ( 3 : 34 ) ، وأمالي المرتضى ( 1 : 151 )
( 2 ) كذا في الأصل ، وهو يوافق ما في الأشباه والنظائر للسيوطي ( 3 : 36 ) ، وعيون التواريخ . وفى نزهة الألباء : « بدون » . ورواية البيت في ديوان الحماسة :
* فاليوم حين برزن للنظار *
( 3 ) قال التبريزي في معنى البيت : « أي كانت نساؤنا يخبأن وجوههن عفة وحياء ، فالآن ظهرن للناظرين ، لا يعقلن من الحزن » .