تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩

قال الأصمعي : بعث ( 1 ) إليّ محمد الأمين - وهو وليّ العهد يومئذ - وقال : إن أمير المؤمنين قد استدعاك على دوابّ البريد - وبين يديه السنديّ بن شاهك - فقال : خذه ( 2 ) وسر . فسرت ، فلما وصلت إلى الرّقّة ( 3 ) أحضرني الفضل بن ( 4 ) الربيع إلى الرشيد ، وهو منفرد ، وسلَّمت ، فردّ واستدناني وقال : أهديت إليّ جاريتان وأردت أن تختبرهما - وأمر بإحضارهما ، وهما أحسن شئ - فسألت إحداهما عن كل فن من فنون الأدب ، فأجابت بجواب حسن ، فاستنشدتها ( 5 ) فأنشدت :

يا غياث البلاد في كل محل * ما يريد العباد إلَّا رضاك
هامش
( 1 ) الخبر مبسوط في تاريخ بغداد ( 10 : 411 ) .
( 2 ) عبارة تاريخ بغداد « خذه فاحمله إلى أمير المؤمنين » .
( 3 ) الرقة : مدينة مشهورة على الجانب الأيسر للفرات ، وبقربها على الجانب الأيمن كانت وقعة صفين المشهورة .
( 4 ) هو الفضل بن الربيع بن يونس . كان أبوه وزيرا للمنصور ، فلما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر للبرامكة كان الفضل من كبار خصومهم ، ولما نكبهم الرشيد ولى الوزارة بعدهم إلى أن مات الرشيد واستخلف الأمين فأقره في وزارته ، وعمل على مقاومة المأمون . فلما ظفر المأمون استتر الفضل حتى سنة 196 ، ثم عفا عنه المأمون ، وأهمله بقية حياته . وتوفى بطوس سنة 208 . ابن خلكان ( 1 : 412 ) .
( 5 ) الذي في تاريخ بغداد : « فلما دخلت الرقة أوصلت إلى الفضل بن الربيع فقال لي : لا تلقين أحدا ولا تكلمه حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين . وأنزلني منزلا أقمت فيه يومين أو ثلاثة ، ثم استحضرني فقال : جئني وقت المغرب حتى أدخلك على أمير المؤمنين ، فجئته فأدخلني على الرشيد وهو جالس منفرد ، فسلمت فاستدناني وأمرني بالجلوس فجلست ، وقال لي : يا عبد اللَّه ، وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إليّ ، وقد أخذتا طرفا من الأدب ، أحببت أن تبوّر ما عندهما ، وتشير عليّ فيهما بما هو الصواب عندك . ثم قال : ليمض إلى عاتكة ، فيقال لها : أحضري الجاريتين . فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط ، فقلت لأجلهما : ما اسمك ؟ قالت : فلانة ، قلت : ما عندك من العلم ؟ قالت : ما أمر اللَّه به في كتابه ، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار والآداب والأخبار ، فسألتها عن حروف من القرآن ، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب ، وسألتها عن النحو والعروض والأخبار فما قصرت ، فقلت بارك اللَّه فيك ؛ ما قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه ؛ فإن كنت تقرضين الشعر فأنشدينا ، فاندفعت في هذا الشعر » .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 199 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي بن يوسف القفطي