ولقد اجتمعت به واختبرته فرأيته فيما يدّعيه كالأعمى الذي يتحسس ويدّعى حدّة النظر ؛ وما وثقت من روحي بذلك حتى سألت جماعة من أهل علوم متفرقة قد كان يدّعيها ، فذكروا من أمره بعد نظره وكلامه نظير ما علمته منه . ومن أسوأ أوصافه قلة الغيرة - ونعوذ باللَّه من ذلك - وقطن حلب في آخر عمره ، وأجرى له بها رزق على الطب ؛ وهو لا يعلمه . وخطر له في شهور سنة ثمان وعشرين وستمائة السفر إلى العراق ليحج ، فمرض ببغداذ ، وأخذ في مداواة نفسه بطبه ، فمات - كما شاء اللَّه - في شهور سنة تسع وعشرين وستمائة ، وأبيعت كتبه بحلب ، فوقعت على شئ منها ، وهى في غاية الانحطاط عن رتبة الكمال . ونعوذ باللَّه من فتنة الدعوى . كان مولده سنة سبع وخمسين وخمسمائة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال ابن مكتوم : « قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن محمود بن الحسن بن هبة اللَّه بن محاسن البغداذي المؤرخ المعروف بابن النجار - رحمه اللَّه - في تاريخ بغداد من جمعه في ترجمة عبد اللطيف هذا : إنه ولد في أحد الربيعين من سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، وإنه توفى وقت الضحى من يوم الأحد ثاني محرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، ودفن بالوردية وقت أذان العصر من يومه . قال : وقرأ النحو على عبد الرحمن الأنباريّ والوجيه أبى بكر حتى برع فيه وتميز على أقرانه ، وقرأ علم الطب حتى أحكمه ، وكان يكتب خطا مليحا . وسافر إلى الشام ، ودخل ديار مصر ، ولقى هناك قبولا كثيرا وقرأ الناس عليه الأدب والطب ، ورويت أكثر مسموعاته مرارا كثيرة . وكان غزير الفضل كامل العقل حسن الأخلاق متواضعا محبا للعلم وأهله . لقيته بدمشق في رحلتي الثانية إليها ، وكتبت عنه ، وكان صدوقا . انتهى ملخصا » . « وظهر به تحامل القفطيّ عليه بما ذكره ، وهذه عادته في هضم العصريين وحط مراتبهم وإيهام أنه عارف بمنازل العلماء وتمييز طبقاتهم ، ولم يكن هناك ولا قريبا . عفا اللَّه عنه . ولقد عرفه من نال منه . كتبت من خط الحافظ للآداب أبى المحاسن يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد الأسديّ رحمه اللَّه . وأنبأنا عنه غير واحد ، منهم أبو عبد اللَّه محمد بن عيسى الأنصاريّ - رحمه اللَّه - قال : أنشدني الشريف الفاضل شمس الملة أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن القاسم بن عبد الملك بن حمود ، من ولد إدريس - ابن إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن الحسنى المعروف بابن المنياوي الحلبي الزجاج قال : أنشدني عماد الدين سليمان بن الملك الزاهد داود بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بحلب لنفسه في الوزير ابن القفطي يعنيه :
لا تتمنى لمليك أذى * إلا بأن يخدمه القفطي
كاتب سوء حتف مخدومه * أكثر من يومين لا يبطي
قد أجمع الناس على نحسه * وليس فيهم أحد مخطي