وذكره الحسن بن رشيق في كتابه فقال : « عبد العزيز بن خلوف النحويّ الحروري ( 1 ) . شاعر متقن ، ذو ألفاظ حسنة ، ومعان متمكَّنة ، مثقّف نواحي الكلام رطبها ، حلو مذاقة الطَّبع عذبها ؛ يشبّه في المنظوم والمنثور بأبى على البصير ، ( 2 ) وله في سائر العلوم حظوظ وافرة ، وحقوق ظاهرة ، أغلبها عليه علم النحو والقراءات ، وما تعلق بها . وفيه ذكاء يخرج عن الحدّ المحدود » . وقوله من قصيدة يمدح بها سيدنا - أدام اللَّه سلطانه - أوّلها ( قلت : يعنى بسيدهم المعز بن باديس ) :
أبِلَحْظ طرف هذه الأنضاءُ ( 3 ) * شقيت إذن بالأعين الأعضاء
تتمثّل الغيد الحسان ببعض ما * جرّت عليه الغادة الحسناء
تصبو الجمادات الموات لوجهها * طربا فكيف النّطَّق الأحياء
منها :
سارت وقد بنت الأسنّة حولها * سورا يجاز بحدّه الجوزاء
ولما مدح المعز بن باديس بها وأطال في المدح ختمها بقوله :
فتحت لنا نعماك كلّ بلاغة * فجرى اليراع وقالت الشعراء
وقال ابن رشيق في وصف هذه القصيدة : « وما حسبت أنّ أحدا من أهل عصرنا يبلغ هذه البلاغة ، أو يصوغ الكلام هذه الصياغة ، وإن كثيرا من أشعار المتقدّمين في هذا الوزن والرويّ ليضعف ويقصر دون بنيتها » .
هامش
( 1 ) الحروري ، بفتح الحاء : منسوب إلى حروراء ؛ وهو موضع على ميلين من الكوفة ، كان أوّل اجتماع الخوارج به ، فنسبوا إليه .
( 2 ) أبو علي البصير ؛ كان أعمى ، ولقب بالبصير على العادة في التفاؤل ؛ وهو الفضل بن جعفر بن الفضل أبو علي النخعي . كان من أهل الكوفة ، وسكن بغداذ ، ومدح المتوكل والفتح بن خاقان ، وكان يتشيع . بقي إلى أيام المعتز ، وتوفى في الفتنة سنة 251 . نكت الهميان ص 225 ، ومعجم الشعراء ص 314 .
( 3 ) الأنضاء : جمع نضو ، وهو المهزول .