وسافر عن بغداد في شبابه . وآخر ما كان بها في سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، ودخل حلب ، واستوطنها مدّة ، وصحب بها بدر الدين حسن بن الداية النوويّ واليها ، وكان يبتاع الخليع ( 1 ) من الملبوس ، ويسافر به إلى بلد الروم ، ويعود إلى حلب . ثم انتقل إلى دمشق ، وصحب الأمير عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب ، ( 2 ) ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وتقدّم عنده ، واختص به ، وسافر في صحبته إلى الديار المصرية ، واقتني من كتب خزائنها - عندما أبيعت في الأيام الناصرية - كلّ نفيس ، على قلَّة ما ابتاعه . وعاد إلى دمشق واستوطنها ، ( 3 ) وقصده الناس ، ورووا عنه . وكان ليّنا في الرواية ، معجبا بنفسه فيما يذكره ويرويه ويقوله ، وإذا نوظر جبّه بالقبيح ، واستطال بغير الحقيقة . ولم يكن موفّق القلم فيما يسطَّره ( 4 ) ، وقد رأيت له أشياء قد ذكرها لا تخلو من برد في القول وفساد في المعنى واستعجال فيما يخبر به . ولقد أخبرني بعض أهل الأدب من أهل حلب قال : حضرت عنده ، وجرت مسألة ، فقال فيها الخطأ ، فقلت : قد قال فيها ابن جنّى كذا ، فقال : ما قال بهذا
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 11
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص١١
هامش
( 1 ) الخليع من الثياب : الخلق .
( 2 ) كان الأمير فرخشاه بن شاهنشاه من الأماثل الأفاضل ، وكان متواضعا سخيا شجاعا مقداما ، وكان عمه صلاح الدين قد استنابه بالشام ، وكان أيضا فصيحا شاعرا . مات بدمشق سنة 578 . النجوم الزاهرة ( 6 : 93 ) .
( 3 ) ذكر ابن كثير : أنه لما انتقل أبو اليمن الكنديّ إلى دمشق سكن دار العجم « وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء ، وتردّد عليه العلماء والملوك وأبناؤهم . وكان الملك الأفضل ابن صلاح الدين يحضر مجلسه - وهو صاحب دمشق - ، ويتردد إلى منزله في درب العجم ، ويقرأ عليه في « المفصل » للزمخشريّ . وكان يحضر مجلسه جميع المصدّرين بالجامع ، كالشيخ علم الدين السخاوي ويحيى بن معطى الوجيه اللغوي والفخر التركي وغيرهم » .
( 4 ) يسطره : يؤلفه .