حكمته وعلمه بهم ، فهو السميع البصير ، علمه بأحوالهم التي تجعلهم
مؤهلين لما يحملهم بهذا الاصطفاء من مهام وأعباء ، وإليه ترجع الأمور ،
فهو الحاكم والمدبر ولا شأن للناس بهذا الاصطفاء . ويذكرنا الكلام عن
الاصطفاء هنا بما علمناه من قوله تعالى : * ( واصطفينا آدم ونوحا وآل
إبراهيم وأل عمران على العالمين ) * وقوله تعالى * ( ولقد أرسلنا نوحا
وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب . . ) * فيحضر لنا أن هذا
الاصطفاء وجعل النبوة والكتاب في هذه الذريات المصطفاة إنما هو من
الشأن الرباني الصادر عن حكمته تعالى ، وعلمه باستعدادات خلقه
ومصالح عباده ، الذي أشارت إليه هذه الآية ، وأن الاصطفاء المذكور فيها
للرسل هو من سنخ وضمن خط الاصطفاء الذي خص به هذه الذريات .
ويتبع ذلك الكلام عن الاصطفاء كلامه تعالى عن اجتباء الذين آمنوا ،
الذين أبوهم إبراهيم لمهمة الشاهدية الكبرى ، فنعلم أن هذا الاجتباء كان
من خلال ذلك الاصطفاء على العالمين ، ومن سنخه ، إذ يأتي خطاب
مباشر بعنوان الذين آمنوا ، يأمرهم أمرا خاصا ببعض تكاليف المؤمنين ، لما
فيها من أبعاد في عقل المؤمن وضميره ، ذات أثر في الوظيفة الاجتماعية ،
والوظيفة موضع الاجتباء ، من عبادة ، وفعل الخيرات والجهاد في سبيل الله
حق الجهاد ، ويتابع خطابهم يقوله * ( هو اجتباكم ، وما جعل عليكم في
الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ، هو سماكم المسلمين من قبل وفي
هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ، وتكونوا شهداء على الناس . . ) *
فنعلم من هذا أن الاجتباء هو ليكون الرسول شهيدا عليهم ويكونوا
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 188
مساهمون: زهير بيطار
ص١٨٨