تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
جرى الشموس ناجزا بناجز * محتفلا في جريه مشارز
ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ، ولا يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد . وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء ، كلهم يضرب بطلبه ثم يخرجوا بعد خروج الثالث ، فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث ، فأتوا على فرسانهم مقتلين ، فتشاءم خاقان وتطير ، وقال : قد طال مقامنا ، وقد أصيب هؤلاء بمكان لم يصب بمثله قط أحد منا ، فما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير ، فانصرفوا بنا ، فكان وجههم راجعين ، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا ، فأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ ، فقال المسلمون للأحنف : ما ترى في اتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . وكان يزدجرد لما نزل بمرو الروذ خرج إلى مرو الشاهجان فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه ، فحاصرهم واستخرج خزائنه من مواضعها ، وخاقان ببلخ مقيم له ، فلما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو ، فأعجل عنه وأراد أن يستقل منها ، إذا أمر عظيم من خزائن أهل فارس ، فقال له أهل فارس : أي شئ تريد أن تصنع ؟ فقال : أريد اللحاق بخاقان ، فأكون معه أو بالصين ، فقالوا له : مهلا ، فإن هذا رأى سوء ، إنك إنما تأتى قوما في مملكتهم وتدع أرضك وقومك ، ولكن ارجع إلى هؤلاء القوم ، يعنون المسلمين ، فنصالحهم ، فإنهم أوفياء وأهل دين ، وهم يلون بلادنا ، وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا ملكه من عدو يلينا في بلاده لا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم ، فأبى عليهم وأبوا عليه ، فقالوا : فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها ، ولا تخرجها من بلادنا إلى غيرها ، فأبى ، فقالوا : إنا لا ندعك . فاعتزلوه وتركوه في حاشيته ، فاقتتلوا ، فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها ، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر ، فاعترضهم المسلمون والمشركون يثفنونه ، فقاتلوه ، وأصابوا في آخر القوم ، وأعجلوه عن الأثقال ، ومضى مزايلا حتى يقطع النهر إلى فرغانة والترك ، فلم يزل مقيما بقية زمان عمر ، رضي الله عنه ، يكاتبهم ويكاتبونه ، أو من شاء الله منهم ، إلى أن كان زمن عثمان ، رضي الله عنه ، فكفر أهل خراسان ، فأقبل حتى نزل مرو ، فكان من أمره إلى حين مقتله ما نذكره بعد في موضعه إن شاء الله . وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه ، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال ، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة ، فكانوا كأنهم في ملكهم ، إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم ، فاغتبطوا ، وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية .