وهم خافضون في ظل عال * مشرف يحسر العيون ويخس
حلل لم تكن كأطلال سعدى * في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة منى * لم تطقها مسعاة عنس وعبس
لو تراه علمت أن الليالي * جعلت فيه مأتما بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم * لا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطاكي * ة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنو شر * وان يزجى الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أص * فر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه * في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوى بعامل رمح * ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا * ء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلى فيهم ارتيابى حتى * تتقراهم يداى بلمس
حلم مطبق على الشك عيني * أم أمان غيرن ظني وحدس
وكأن الإيوان من عجب الصن * عة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذا يب * دو لعيني مصبح أو ممس
مزعجا بالفراق عن أنس إلف * عز أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات ال * مشترى فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلدا وعليه * كلكل من كلاكل الدهر مرس
لم يعبه أن بز من بسط الديب * اج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات * رفعت في رؤس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تب * صر منها إلا جلائل برس
لست تدرى أصنع إنس لجن * صنعوه أم صنع جن لإنس
غير أنى أراه يشهد أن لم * يك بانيه في الملوك بنكس
ولا أعلم أحدا من الشعراء وصف القصر الأبيض وهذا الإيوان بأبدع من هذا الوصف ولا أشجى ولا أوقع .
ويروى أن أبا جعفر المنصور ، رحمه الله ، لما أفضت إليه الخلافة هم بنقض هذا الإيوان ، واستشار في ذلك جلساءه وذوى الرأي عنده من رجاله ، فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك ، فإنه قال له : لا تفعل يا أمير المؤمنين