فكان كذلك لم تغزوهم قريش بعد ذلك وكان هو صلى اللّه عليه وسلم يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة .
وقال حسان بن ثابت في يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش عن كلمة قالها في ذلك :
هل رسم دارسة المقام بباب * متكلم لمحاور بجواب
قفر عفا رهم السحاب رسومه * وهبوب كل مظلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم * بيض الوجوه ثواقب الأحساب « 1 »
فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب « 2 »
واشك الهموم إلى الإله وما ترى * من معشر ظلموا الرسول غضاب
ساروا بأجمعهم إليه وألبوا * أهل القرى وبوادى الأعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطين بحلية الأحزاب
حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الأسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردوا بغيظهم على الأعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الأرباب
فكفى الإله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الأجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب
عاتى الفؤاد موقع ذي ريبة * في الكفر ليس بطاهر الأثواب « 3 »
علق الشقاء بقلبه ففؤاده * في الكفر آخر هذه الأحقاب
وقال كعب بن مالك في ذلك - أيضا - يجيب ابن الزبعرى عن كلمته :
أبقى لنا حدث الحروب بقية * من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرقة الذرى ومعاطنا * حم الجذوع غزيرة الأحلاب
كاللوب يبذل جمعها وحفيلها * للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعا مثل السراج نمى بها * علف الشعير وجزة المقضاب
هامش
( 1 ) الحلول : البيوت المجتمعة . وثواقب : أي مشرقة .
( 2 ) الخريدة : أي المرأة الناعمة . والكعاب : أي التي نهد ثديها في أول ما نهد .
( 3 ) عاتى الفؤاد : أي قاسيه . وموقع ذي ريبة : أصله من التوقيع في ظهر الدابة ، وهو انسلاخ يكون فيه .