محنة انفرج عن شرائط الملَّة ، يصف العبرة ولا يعتبر ، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ ، فهو بالقول مدلّ ، ومن العمل مقلّ ، ينافس فيما يفنى ، ويسامح فيما يبقى ، يرى الغنم مغرما ، والغرم مغنما ، يخشى الموت ، ولا يبادر الفوت . يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه ، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على النّاس طاعن ، ولنفسه مداهن ، اللَّهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء ، يحكم على غيره لنفسه ، ولا يحكم عليها لغيره ، يرشد غيره ويغوى نفسه . فهو يطاع ويعصى ، ويستوفى ولا يوفى ، ويخشى الخلق في غير ربّه ، ولا يخشى ربّه في خلقه .
قال السيد الرضى : ولو لم يكن في هذا الكتاب الَّا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، وحكمة بالغة ، وبصيرة لمبصر ، وعبرة لناظر مفكَّر .
وأقول : يرجّيها : يؤخّرها . وروى بالزاي المعجمة أي : يدفعها . وقوله : يغلبه نفسه على ما يظنّ اى : من مطامع الدنيا ولا يغلبها على ما يستيقن ، اى : من ثواب الآخرة ولا يغلبها على ذلك ، اي : على العمل به . وانفراجه عن شرائط الملَّة عند نزول المحنة به : خروجه عن فضيلة الصبر عليها . ورؤيته المغنم مغرما ، كالانفاق في سبيل اللَّه . والغرم مغنما ، كالانفاق في معصيته . ويغوى نفسه اي : لا يسلك بها سبيل الحقّ . والكلام من شريف الحكمة والموعظة الحسنة ، وأكثره ظاهر .
138 - وقال عليه السّلام : لكلّ امرئ عاقبة حلوة أو مرّة . أشار إلى غايته الخيريّة والشرّية ، كالجنّة ولذّاتها ، والنار بعذابها . واستعار لفظىّ الحلوة والمرّة ، للذيذ ، والمكروه .
139 - وقال عليه السّلام : لكلّ مقبل إدبار ، وما أدبر كأن لم يكن . وهو تزهيد : في متاع الدّنيا وفنائها .
140 - وقال عليه السّلام : لا يعدم الصّبور الظَّفر وإن طال به الزّمان .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 617
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦١٧