تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
رحمته ، فلا يقنطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة ، وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربّما سألت الشّىء فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ، ولا تبقى له . أقول : تحذو : تقتدى ، وجذبه عن الدنيا إلى الآخرة بتمثيلين : فالأول ذكر حال من خبّر الدنيا وزوالها ، وخبّر الآخرة وبقاؤها ، ومثلهم بحال قوم سفر اى : مسافرين ، فارقوا منزلا جديبا إلى منزل خصيب ، ووجه التمثيل ان النفوس البشريّة لما كانت الحكمة في هبوطها إلى هذا العالم ، ومقارنتها لهذه الهياكل المظلمة في دار الغربة ومحل الوحشة من عالمها ، هو ان تحصل بواسطتها الكمالات العقليّة ثم ترجع بعد الكمال طاهرة عن علايقها وهيئاتها الرذيلة كانت كلّ نفس لزمت الصراط المستقيم ، وحفظت العهد المأخوذ عليها في المدة المضروبة لها ناظرة بعين الاعتبار انّ الدنيا كالمنزل المجدب لخلوّه عن المطاعم الحقيقية ، فهو لذلك غير صالح للاستيطان ، وانّ الآخرة كالمنزل المخصب : المربع للفناء ذي الكلاء والماء ، من وصل اليه مستقيما على طريق الحق فاز بالمقاصد السنيّة واللذات الباقيّة فكانت في الدنيا في طريق السفر ، وقطع منازل سبيل اللَّه والاستعداد للوصول إلى بهجة حضرته الشريفة ، محتملة وعثاء السفر اى : مشقّته . وجشوبة المطعم اى : غلظه قصدا إلى سعة الدار لا تجد لذلك الما ، ولا أحب إليها منه لكونه وسيلة إلى مطلوبها الأعظم . وأما التمثيل الثاني ، فذكر حال أهل الدنيا الذين قادتهم نفوسهم الامّارة بالسوء إليها فغفلوا عما ورائها ونسوا عهد ربّهم ، ومثلهم بحال قوم كانوا في منزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، والمنزل الخصيب هنا الدنيا لأنها محلّ سعادة أهلها ولذّاتهم ، والمنزل الجديب هو الآخرة إذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها ، ووجه التمثيل هو في ذلك من الشّر العظيم ، والحكم اللازم له هو ما ذكره من انّه ليس شيء اكره إليهم ، إلى قوله اليه : ومضادة الاعجاب للصواب مضادة الرذيلة للفضيلة . وكونه آفة الألباب
اختيار مصباح السالكين — صفحة 511 | ابن ميثم البحراني / شيخ محمد هادي الأميني