29 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل البصرة
وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه ، فعفوت عن مجرمكم ، ورفعت السّيف عن مدبركم ، وقبلت من مقبلكم ، فإن خطت بكم الأمور المردية ، وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتى وخلافى ، فها أنا ذا قد قرّبت جيادى ، ورحلت ركابى ، ولئن ألجاتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلَّا كلعقة لاعق ، مع أنّى عارف لذي الطَّاعة منكم فضله ، ولذي النّصيحة حقّه ، غير متجاوز متّهما إلى برئ ، ولا ناكثا إلى وفىّ .
أقول : كنّى بانتشار حبلهم عن تفرّقهم عنه ، ونكثهم لبيعته . وتغبوا عنه : لم يفطنوا له ، يقال : غيبت عن الشيء وغبيته إذا جهلته ولم يفطن له . والمردية : المهلكة . والمنابذة : المخالفة . وكنّى بتقريب جياده ورحيل ركابه عن استعداده للكرّة عليهم . وشبّه وقعة الجمل بالنسبة إلى الوقعة الَّتى توعّدهم بها باللعقة في الحقارة . وباللَّه التوفيق .
30 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية
فاتّق اللَّه فيما لديك ، وانظر في حقّه عليك ، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته ، فانّ للطَّاعة أعلاما واضحة ، وسبلا نيّرة ، ومحجّة نهجة ، وغاية مطَّلبة ، يردها الأكياس ، ويخالفها الأنكاس ، من نكَّب عنها جار عن الحقّ وخبط في التّيه ، وغيّر اللَّه نعمته ، وأحلّ به نقمته ، فنفسك نفسك ، فقد بيّن اللَّه لك سبيلك ، وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريت إلى غاية خسر ، ومحلَّة كفر ، وإنّ نفسك قد أولجتك شرّا ، وأقحمتك غيّا ، وأوردتك المهالك ، وأوعرت عليك المسالك .