فنشجوا نشيجا ، وتجاوبوا نحيبا ، يعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم واعتراف ، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى قد حفّت بهم الملائكة ، وتنزّلت عليهم السّكينة ، وفتحت لهم أبواب السّماء ، وأعدّت لهم مقاعد الكرامات ، في مقام اطَّلع اللَّه عليهم فيه فرضى سعيهم ، وحمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلَّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكلّ باب رغبة إلى اللَّه منهم يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه الرّاغبون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك .
أقول : الذكر : هو القرآن الكريم ، وقيل : هو ذكر اللَّه مطلقا . والمنتفع به ما كان قلبيا مع دوامه فانّه بذلك يستلزم محبّة المذكور ، والاعراض عما سواه . واستعار لفظ الجلاء : لإزالة كل ما سوى المذكور عن لوح القلب بالذكر وتسمع به وتبصر اى : ما تدرك ، مما ينبغي ان يسمع من المواعظ ويبصر من العبر بعد وقره بالجهل وعشوته .
والوقره : الصمم . والعشوة : ظلمة العين . والبرهة : المدّة الطويلة . وذلَّت عقولهم أنفسهم الناطقة وتكليمهم : بالإفاضة والالهام ونور اليقظة في الاسماع إضاءة عقولهم : بالفوائد المسموعة وفى الأبصار اضاءتها من قبل العبر المبصرة . وفى الأفئدة : ادراكها للمعقولات وتكلَّمها بها والقصد لزوم الفضيلة في القوى العقليّة والنفسانية . واليمين والشمال : الانحراف عنها إلى جانبي الافراط والتفريط منها . وقوله : وحققت القيامة عليهم عداتها اى : بطول ذكرهم للآخرة ينزل الموعود عندهم من أمور القيامة منزلة الواقع المحقق . ومقاوم : جمع مقام وهو مقامهم بين يدي ربّهم في خلواتهم به . والنشيج : الغصص بالبكاء دون النّحيب . والعج : رفع الصوت . والسكينة : مرتبة للسالكين سبق ذكرها . والتنسّم انتظار النسيم . والفاقة : الفقر وكنى بالأيدي القارعة عن الدعوات في طلب ما يرغب إلى اللَّه فيه من افاضته العالية . والمنادح : جمع مندح وهو المتسع . والفصل من افصح العبارات . واغررها مقاصدها .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 414
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤١٤