تميد بأهلها ميدان السّفينة تقصفها العواصف في لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، ومنهم النّاجى على بطون الأمواج ، تحفزه الرّياح بأذيالها ، وتحمله على أهوالها ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك عباد اللَّه ، الآن فاعملوا ، والألسن مطلقة ، والأبدان صحيحة ، والأعضاء لدنة ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت ، فحقّقوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه
أقول : استعار لفظ العلم ، والمنار : للهداة إلى اللَّه . والساطع : المرتفع . ولفظ المنهج : للشريعة . والقاطن : المقيم وشبهها بأهلها : كالسفينة براكبها ، ووجه التمثيل قوله : تقصفها إلى آخره . واشتمل هذا التمثيل على تشبهات ، فالدنيا : كالسفينة في الريح العاصف ، وتغيّراتها كحركات السفينة . ورميهم بحوادثها : كالأحوال التي تلحق أهل السفينة حينئذ . وقسمتهم إلى غريق وبق اى : هالك بحوادثها ، والى ناج : إلى حين مقاساة متاعها ولا بدّ من هلاكه . واللدن : الناعم ، والإرهاق : اللحوق ، وتحقيق نزوله : بذكره واخطاره بالبال ، وتقدير كونه واقعا بهم . ونهى عن انتظار قدومه : لاستلزام ذلك توهّم بعده ، والتكاسل بسبب ذلك عن العمل .
180 - ومن خطبة له عليه السّلام
ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، أنّى لم أردّ على اللَّه ولا على رسوله ساعة قطَّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن الَّتى تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر فيها الأقدام ، نجدة أكرمني اللَّه بها .
ولقد قبض رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّ رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفّى ، فأمررتها على وجهي ، ولقد ولَّيت غسله ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، والملائكة أعواني ، فضجّت الدّار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم ، يصلَّون عليه حتّى واريناه في ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّى حيّا وميّتا فانفذوا