جبنوا فظعنوا فقال الرجل : بل ظعنوا يا أمير المؤمنين . فقال : بعدا لهم كما بعدت ثمود ، أما لو أشرعت الأسنّة إليهم ، وصبّت السّيوف على هاماتهم لقد ندموا على ما كان منهم ، إنّ الشّيطان اليوم قد استفلَّهم ، وهو غدا متبرّئ منهم ، ومتخلّ عنهم ، فحسبهم بخروجهم من الهدى ، وارتكاسهم في الضّلال والعمى ، وصدّهم عن الحقّ ، وجماحهم في التّيه .
أقول : قطنوا : أقاموا . وبعدت : بالكسر هلكت . وأشرعت الرمح نحوه : سدّدته .
واستفلَّهم : طلب تفريقهم وهزيمتهم . والارتكاس : الرجوع في الشيء مقلوبا . واستعار لفظ الجماح : لخروجهم عن فضيلة العدل ، إلى طرف الافراط على جهل بمطلوبهم وهو معنى التيه .
183 - ومن خطبة له عليه السّلام
روى عن نوف البكالي قال : خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفى رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثفنة بعير . فقال عليه السلام : الحمد للَّه الَّذى إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر ، نحمده على عظيم إحسانه ، ونيّر برهانه ، ونوامى فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقرّبا ، ولحسن مزيده موجبا . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطَّول ، مذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ، وأخلص له موحّدا ، وعظَّمه ممجّدا ، ولاذبه راغبا مجتهدا : لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركا ، ولم يلد فيكون مورثا هالكا ، ولم يتقدّمه وقت ولازمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبير المتقن ، والقضاء المبرم .