خمص البطون ، من الصّيام ، ذبّل الشّفاه من الدّعاء ، صفر الألوان من السّهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين ، أولئك إخواني الذّاهبون ، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم ، ونعضّ الأيدي على فراقهم . إنّ الشّيطان يسنّى لكم طرقه ، ويريد أن يحلّ دينكم عقدة عقدة ، ويعطيكم بالجماعة الفرقة ، فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته ، واقبلوا النّصيحة ممّن أهداها إليكم ، واعقلوها على أنفسكم .
أقول : كان عليه السلام أنهاهم عن الحكومة حين طلبها أهل الشام ، فلمّا غلبه عليها أكثر أصحابه ، رجع إليها فبقيت الخوارج على انكارها ، وقال له بعضهم : كنت نهيتنا ، إلى قوله : ارشد ، فصفّق بأحدى يديه على الأخرى : فعل المغضب النادم . والعقدة : ما عقده واحكمه من الرأي في البقاء على الحرب ، وهى : المكروه الَّذى لو حملهم عليه لجعل اللَّه فيه الخير ، وهو : الظفر وسلامة العاقبة وتقويمهم وتداركهم : بما يمكن كالضرب والقتل ونحوه . وقوله : لكانت الوثقى اى : الغفلة المحكمة ولكن بمن اى : بمن اغفل ذلك من الأعوان ، والى من ارجع فيه . وقوله : كناقش الشوكة إلى قوله : معها : كالمثل يضرب لمن يستعان به ، وميله مع المستعان عليه . والضلع : بفتح الضاد وسكون اللام : الميل ، واصله : انّ الشوكة لمّا تلتها أختها ربّما انكسرت في عضو الانسان معها ، فكانّه يقول : كيف استعين ببعضكم على بعض مع اتّحاد طباعكم وميل بعضكم إلى بعض . واستعار لفظ الداء الدّوى : لما يتمّ عليه من مخالفة امره . ولفظ الاطبّاء : لنفسه وأعوانه ، وكذلك لفظ النزعة : ووجهها انّه ينتزع لهم وجوه الآراء الصالحة كما ينتزع المستقى الدلو من البئر . والوله : أشد الحزن . وتوليه اللقاح أولادها : تفرّقهم بينها كركوبها في الجهال ، ونصب أولادها بحذف الجار ، إذ لا يتعدّى الفعل إلى مفعولين بنفسه . واغمادها : بدل من السيوف . وقوله : لا يبشّرون ، إلى قوله : القتلى : كناية عن شدّة تجدّدهم للجهاد حتى لا يعتنون بحياة حىّ منهم فيبشّرون به أو يعزون عنه . وعين مارهة : إذا فسدت . والمرة : الجمع . وسنّى لكم : كذا حسّنه وسهّله . وعقد الدين : ما انحكم منه في النفوس فاعتقد . وصدف على الأمر : أعرض عنه . ونزعات الشيطان : حركاته بالافساد بين الناس . ونفثاته ، القاء وساوسه في الصدور . واعقلوها : احبسوها .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 277
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٧٧