فيجب الآن ان تعتبروا بذلك وتلازموا الاتّحاد في الدين . واللبيب : من ينتفع بلبّه ، وهو : عقله ، وفائدة قوله : فما كلّ ذي لبّ إلى قوله : ببصير : تحريك النفوس إلى الاعتبار كيلا يعدّ التارك غير لبيب ولا سميع ولا بصير . ثم ذكر من مذامّهم أربعة تروك لما ينبغي ان يفعلوه ، وأربعة افعال مما ينبغي ان يتركوه ، وقدّم على الكلّ ذكر السبب وهو اختلاف حججهم في دينهم ، لانّ ذلك هو الأصل الذي نشأت عنه هذه الرذائل ، والعيب : الذي تركوا الايمان به هو ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وآله من السمعيّات الصرفة كأحوال المعاد البدنّى ، وأحوال القيامة ، والجنّة والنار . وقوله : المعروف ، إلى قوله : ما أنكروا ، أي : انّ المعروف والمنكر محصوران فيما عرفوه وأنكروه ، وان كان ما تصوّروه جهلا وما أنكروه هو الحق . والمضلَّات : ما أشكل امره وأصعب فهمه ، من الاحكام الدينية ، والأسباب المحكمة ، النصوص الجلية .
86 - ومن خطبة له عليه السّلام
أرسله على حين فترة من الرّسل ، وطول هجعة من الأمم ، واعتزام من الفتن ، وانتشار من الأمور ، وتلظَّ من الحروب ، والدّنيا كاسفة النّور ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، واغورار من مائها ، قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الرّدى ، فهي متجهّمة لأهلها عابسة في وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السّيف . فاعتبروا عباد اللَّه ، واذكروا تيك التّى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون . ولعمرى ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ، وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد . واللَّه ما أسمعكم الرّسول شيئا إلَّا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ولا شقّت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الأوان إلَّا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزّمان . واللَّه ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به وحرموه ، ولقد نزلت بكم البليّة جائلا خطامها رخوا بطانها ، فلا يغرّنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فانّما هو ظلّ ممدود ، إلى أجل معدود .