حتّى يظنّ الظَّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، ولا سيفها ، وكذب الظَّان لذلك ، بل هي مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى أمية ، وهو اخبار عمّا سيكون . ومعقولة : محبوسة ، واستعار لفظ الدّر والصفو : للذّاتها وقيناتها ، ولفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة والملك ، باعتبار قلَّته بالنسبة إلى زمان عدمه ، ووصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .
ووصف اللفظ : لزوالها عنهم .
85 - ومن خطبة له عليه السّلام
أمّا بعد ، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّارى دهر قطَّ إلَّا بعد تميّل ورخاء ، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء ، وفى دون ما استقبلتم من عتب ، وما استدبرتم من خطب ، معتبر وما كلّ ذي قلب بلبيب ، ولا كلّ ذي سمع بسميع ، ولا كلّ ناظر ببصير ، فيا عجبي - ومالي لا أعجب - من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا - يقتصّون أثر نبىّ ، ولا يقتدون بعمل وصىّ ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفّون عن عيب . يعملون في الشّبهات ويسيرون في الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرئ منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات .
أقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم في الدين ، وتشتيت آرائهم في الأحكام والمذاهب .
والقصم : الكسر ، وجبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . والأزل : الشدّة .
والعتب : الذي استقبلوه عتابه عليه السّلام وما ينبغي منه . والخطب : الذي استدبروه ، الأهوال التي لحقتهم من المشركين . وفى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلَّتهم وقع عند المشركين . وكانّه قال :