من الأجاج وقد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ، ونقده النّاقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتّبيين ، وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم قال : هي بكلام علىّ عليه السّلام أشبه وبمذهبه في تصنيف النّاس . وبالإخبار عمّا هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التّقيّة والخوف - أليق قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد ، ومذاهب العبّاد
أقول : العنود : الجائر ، والكنود : الكفور ، والعتوّ : الكبر ، والقارعة : الخطب العظيم .
ونسبة الخير إلى بعض الأزمنة ، والشّرّ إلى بعضها نسبة صحيحة لانّ الزمان من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في هذا العالم من الحوادث والأمور المعدودة خيرا وشرّا . وقد تتفاوت الأزمنة في الاعتداد لقبول الخير والشّر ففي بعضها يكون بحسب الاستقراء الخير غالبا خصوصا في زمن قوّة الدّين والنّواميس الشّرعيّة النّاظمة للعالم ، وفي بعضها يكون الشّرّ غالبا . وعدّ المحسن مسيئا كالمتصدّق مرائيا وزيادة عتو الظَّالم اى : تجبّره لضعف سلطان الدّين ، وعدم انتفاع العالم بعلمه فيه عدم علمه على وفق علمه ، وعدم سؤال الجاهل عمّا جهله لقلَّة الرّغبة في العلم والانتفاع به ، وعدم تخوّف النّاس من الأمر المخوف حتّى ينزل بهم ، كناية : عن عدم فكرهم فيما يصلح حال عاقبتهم وهو ايماء إلى ما يستقبلونه من فتنة بنى اميّة وغيرها .
فامّا قسمته للنّاس فسياقها إلى آخر الكلام ، يقتضى خمسة أقسام وإنّما افرد الأربعة لاشتراكها في غرض الذّمّ وافرد الخامس لاختصاصه بالمدح ، ووجهه انّ النّاس إمّا مريدون للدّنيا اوللَّه ، والأوّلون إمّا قادرون عليها أوليس ، والثّانى امّا غير محتالين لها أو محتالون ، والثّانى إمّا يؤهّلوا أنفسهم للملك والامارة أو ليس فهذه اقسام خمسة . فالأوّل ، المريدون للدّنيا القادرون عليها ، وهم : المشار إليهم في القسم الثّانى من قسمته بقوله : فمنهم المصلَّت إلى قوله : يفرعه ، وهم الَّذين أطلقوا عنان النّفس من الشّهوة والغضب في تحصيل ما تخّيلوه كمالا . واصلات السّيف : تجريده وكنّى به عن التّغلَّب والقهر بالظَّلم وغيره . والإجلاب بالخيل والرجل كناية عن : جمع أسباب الظلم والغلبة ، واشرط نفسه : اعلمها ونصبها لذلك حتّى صار معروفا به . وأوبق دينه : أهلكه . والحطام : متاع الدّنيا ، والانتهار : الاختلاس والإستلاب بقدر الإمكان . والمقنب بكسر الميم وفتح النون : الجمع
اختيار مصباح السالكين — صفحة 138
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٣٨