والمعنيان متقاربان لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، وإنّما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود . أقول : هذا الفصل مشتمل على التّنفير عن الدّنيا والتّرغيب في الآخرة ، والاستعداد لها بالتّوبة والاعمال الصّالحة . وآذنت : أعلمت بتغيّراتها انّها زائلة ، ولفظ الوداع : مستعار لذلك واشراف الآخرة قربها من كل شخص ونبّه على وجوب الاستعداد بذكر ما يستعدّ لأجله وهو السباق ، وذكر ما يستبق اليه في قوله : الا وانّ اليوم إلى قوله : النّار . والمضمار : المدّة الَّتى تضمر فيها الخيل للسّباق اى : يعلف ويسمن ثم يردّ إلى القوّة وهى أربعون يوما ، واستعار لفظه : لمدّة الحياة باعتبار انّ الإنسان يستعدّ فيها بالتّقوى لتكمل قوّته العقلية فيكون من السّابقين إلى لقاء اللَّه كما يستعدّ الفرس بالتّضمير لسبق مثله . والسّباق : مصدر كالمسابقة ، وهو أيضا جمع سبقة كنطفة ونطاف . والسبقة بضم السّين وفتحها : ما يستبق اليه من الخطر . وروى السباق مرفوعا ولا وجه له الَّا ان يكون مضافا اليه أقيم مقام مضاف هو الخبر اى : وقت السّباق ، أو ان يكون السّباق : جمع سبقة ، وكنّى بغد : عن يوم القيامة ، وتمام المعنى هو ما أشار اليه السيّد رحمه اللَّه . ونام في الموضوعين مفعول ثان لأرى ، والمفعول الاوّل هو المشبّه بالجنّة أو النّار . والضمير في قوله : وانّه ، ضمير الشّأن ، واستعار لفظ الظَّعن : للسّفر إلى اللَّه تعالى ، بالكفر في ملكوت سماواته وارضه ، وعوالم خلقه . والزّاد الَّذى دلَّوا عليه : هو التقوى بقوله تعالى : * ( ( وتَزَوَّدُوا ) ) * ( 1 ) الآية . ولمّا كان حاصل التّقوى ( 2 ) يعود إلى خشية اللَّه ولزوم الاعمال الصّالحة ولم تكن ذلك الَّا في الدّنيا بحركات الفكر في العبرة بها وحركات الجوارح بالعبادة فيها قال : في الدّنيا من الدّنيا ، وظاهر انّ التّقوى يحرز الانسان نفسه بها من عذاب اللَّه يوم القيامة .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 133
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٣٣
هامش
( 1 ) سورة البقرة - 197
( 2 ) الجملة الواقعة بين القوسين لم تكن في نسخة ش .