تجرّد لاظهار الحق في مقابلة كل باطل سمعه أو رآه من الجاهلين وحملهم على مرّ الحق وصعبه في كلّ وقت كان في مظنّة الهلاك بأيديهم وألسنتهم ، وكانّه ايماء إلى نفسه في معرض الاعتذار في مقابلة معاوية وغيره على باطلهم ، وجهل المرء بقدره ومرتبته من النّاس جهل فاحش لاستلزامه رذائل صعبة كالعجب والكبر ونحوهما من المهلكات .
وقوله : لا يهلك ، إلى قوله : قوم : فالسنخ الأصل وذلك لانّ التّقوى كالأرض الحرّة لا يهلك ما غرس من أصل ، وكالماء العذب ما يظمأ عليه ما زرع وهو ترغيب فيها لغاية ما يثمره من الخير الأخروي ، وأمرهم بالاستتار ببيوتهم اى : لزومها قطعا لمادة الفتنة من الاجتماع للمنافرات والمفاخرات ، ونبّههم على الرجوع إلى التّوبة وانّها مقبولة منهم وكونها وراء لهم باعتبار رجوع العاصي إليها عمّا هو متوجّه بقلبه اليه من المعصية . وقيل : وراء بمعنى : امام والاوّل أشبه .
16 - ومن كلام له عليه السّلام في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل
إنّ أبغض الخلائق إلى اللَّه رجلان : رجل وكله اللَّه إلى نفسه فهو جائر عن قصد السّبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته . ورجل قمش جهلا موضع في جهّال الأمّة عاد في أغباش الفتنة ، عم بما في عقد الهدنة قد سمّاه أشباه النّاس عالما وليس به ، بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر ، حتّى إذا ارتوى من آجن ، واكتنز من غير طائل ، جلس بين النّاس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه ، ثمّ قطع به ، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت : لا يدرى أصاب أم أخطأ : فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خبّاط جهالات عاش ركَّاب عشوات لم يعضّ على العلم بضرس قاطع يذرى الرّوايات إذراء الرّيح الهشيم لا مليء واللَّه بإصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فوّض إليه لا يحسب العلم