تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
بحدوث السبب المقتضى له ، كما قال تعالى : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه ، وارتفاع الحجاب عن قلبه ، وحصوله في درجة القرب من ربه . فكل ذلك فعل الله تعالى ولطفه به ، فهو معنى حبه ولا يفهم هذا إلا بمثال ، وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ، ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه ، لميل الملك إليه ، إما لينصره بقوته ، أو ليستريح بمشاهدته ، أو ليستشيره في رأيه ، أو ليهيئ أسباب طعامه وشرابه . فيقال إن الملك يحبه . ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له . وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه ، لا للانتفاع به ، ولا للاستنجاد به ، ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق الرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافرا لحظ من قربه ، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلا . فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه ، يقال قد أحبه . وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب ، يقال قد توصل وحبب نفسه إلى الملك . فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل . وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه عند تجدد القرب ، فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى ، والقرب من الله في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين ، والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإلهية ، فهو قرب بالصفة لا بالمكان ، ومن لم يكن قريبا فصار قريبا فقد تغير فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعا ، إذ صار قريبا بعد أن لم يكن ، وهو محال في حق الله تعالى ، إذ التغير عليه محال بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص ، فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعا ، وقد يكون أحدهما ثابتا ، فيتحرك الآخر ، فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر . بل القرب في الصفات أيضا كذلك ، فإن التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله ، والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه ، والتلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم ، فلا يزال دائبا في التغير والترقي إلى أن يقرب من أستاذه ، والأستاذ ثابت غير متغير . فكذلك ينبغي أن
إحياء علوم الدين — صفحة 98 | الغزالي