تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
بل الأسامي كلها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تنطلق عليهما بمعنى واحد أصلا ، حتى أن اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد ، بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى ، فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع ، وإنما الاستواء في إطلاق الاسم ، نظيره اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم ، إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابهة فيهما من غير استحقاق أحدهما لأن يكون فيه أصلا ، فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر ، وليس كذلك اسم الوجود لله ولا لخلقه . وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر ، كالعلم ، والإرادة ، والقدرة وغيرها ، فكل ذلك لا يشبه في الخالق الخلق . وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامي أولا للخلق ، فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق ، فكان استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة ، والتجوز ، والنقل . والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم ، وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة فاتها ما يوافقها ، فتستفيد بنيله كما لا ، فتلتذ بنيله ، وهذا محال على الله تعالى ، فإن كل كمال ، وجمال ، وبهاء ، وجلال ممكن في حق الإلهية ، فهو حاضر وحاصل ، وواجب الحصول أبدا وأزلا ، ولا يتصور تجدده ولا زواله ، فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنه غيره ، بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط ، وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله . ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهنى رحمه الله تعالى ، لما قرئ عليه قوله تعالى * ( يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَه ُ « 1 » ) * فقال : بحق يحبهم ، فإنه ليس يحب إلا نفسه ، على معنى أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره . فمن لا يحب إلا نفسه ، وأفعال نفسه ، وتصانيف نفسه ، فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته . فهو إذا لا يحب إلا نفسه . وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ، ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه ، وإلى تمكينه إياه من القرب منه ، وإلى إرادته ذلك به في الأزل ، فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي افتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب . وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث
هامش
« 1 » المائدة : 54