تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
صورته الظاهرة وبين من يحب نبيا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة السبب الخامس : المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب إذ ربّ شخصين تتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ولكن بمجرد تناسب الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » وقد حققنا ذلك في كتاب آداب الصحبة عند ذكر الحب في الله فليطلب منه . لأنه أيضا من عجائب أسباب الحب ، فإذا ترجع أقسام الحب إلى خمسة أسباب وهو حب الإنسان وجود نفسه وكماله وبقائه ، وحبه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده وبعين على بقائه ودفع المهلكات عنه ، وحبه من كان محسنا في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسنا إليه ، وحبه لكل ما هو جميل في ذاته سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة وحبه لمن بينه وبينه مناسبة خفيفة في الباطن ، فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحب لا محالة ، كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة ، حسن الخلق ، كامل العلم ، حسن التدبير ، محسن إلى الخلق ، ومحسن إلى الوالد ، كان محبوبا لا محالة غاية الحب ، وتكون قوة الحب بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوة هذه الخلال في نفسها ، فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحب لا محالة في أعلى الدرجات ، فلنبين الآن أن هذه الأسباب كلها لا يتصور كمالها واجتماعها إلا في حق الله تعالى فلا يستحق المحبة بالحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله ، فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى ، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم محمود ، لأنه عين حب الله تعالى ، وكذلك حب العلماء والأتقياء ، لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ، ومحب المحبوب محبوب ، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل ، فلا يتجاوزه إلى غيره ، فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه . وإيضاحه بأن نرجع إلى الأسباب الخمسة التي ذكرناها ، ونبين أنها مجتمعة في حق الله تعالى بجملتها ، ولا يوجد في غيره إلا آحادها ، وأنها حقيقة في حق الله تعالى ووجودها في حق غيره وهم وتخيل ، وهو
شرح
[ 1 ] حديث فما تعارف منها ائتلف : مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة