تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
والشجاعة والكرم وغيره ، فمعلوم أن من يحب الصديق رضي الله تعالى عنه مثلا ، ليس يحب عظمه ولحمه وجلده وأطرافه وشكله ، إذ كل ذلك زال وتبدل وانعدم ، ولكن بقي ما كان الصدّيق به صديقا ، وهي الصفات المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة ، فكان الحب باقيا ببقاء تلك الصفات ، مع زوال جميع الصور ، وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور ، وقدر على حمل نفسه عليها ، بقهر شهواته ، فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين ، وهما غير مدركين بالحس ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ ، فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوبا لأجله . فإذا الجمال موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا ، فالمحبوب مصدر السير الجميلة ، وهي الأخلاق الحميدة ، والفضائل الشريفة ، وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة ، وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواس ، حتى أن الصبي المخلى وطبعه إذا أردنا أن نحبب إليه غائبا أو حاضرا حيا أو ميتا لم يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الخصال الحميدة ، فمهما اعتقد ذلك لم يتما لك في نفسه ، ولم يقدر أن لا يحبه ، فهل غلب حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وبغض أبي جهل ، وبغض إبليس لعنه الله . إلا بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تدرك بالحواس ، بل لما وصف الناس حاتما بالسخاء ، ووصفوا خالدا بالشجاعة أحبتهم القلوب حبا ضروريا ، وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهم ، بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان ، وإفاضة الخير غلب حبه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار ، ونأي الديار ، فإذا ليس حب الإنسان مقصورا على من أحسن إليه ، بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان لا ينتهى قط إحسانه إلى المحب ، لأن كل جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة وباطنة والحسن والجمال يشملهما ، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة ، فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها ، ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة ، فشتان بين من يحب نقشا مصورا على الحائط لجمال